وهو لا يغريه ما يغري الاطفال عادة من ملاطفات او نداءات او حلوى ، وانما يغريه شيء آخر هو ان تقول له انك معجب بطريقة توزيع اشاراته لاوركستراه الوهمية !! . اما كيف عرف ان في عالم الموسيقى « مايسترو » فهو ان اباه - وكان عمر الطفل سنتين ونصف السنة - اخذه معه الى حفلة موسيقية تحت قيادة بنيامين انطون ، ما كاد يرجع بعدها الى البيت حتى رأته امه - وكانت منهكة ببعض اشغال البيت - وقد صف الكراسي حوله بترتيب غريب ، واعتلى احداها وكانت في الوسط ، واخذ يشير بكلتا يديه وبرأسه الصغير الموهوب الى الكراسي من حوله اشارة قائد للاوركسترا بارع ، وكأن روحاً غريبة قد تقمصته فصرفته عن كل ما حوله فلم تعد امه لتستطيع ان ترد اليه وعيه او ترجعه الى نفسه الا بعد ان اختتم قطعته العنيفة واسترد هدوءه السابق .
وهنا بدأت مرحلة ثانية في حياة الطفل الموسيقي فانه لا يفتأ منذ ذلك الحين وهو يشارك اسطواناته المحببة حركات ضبط الموسيقى حسب القواعد الموضوعة التي لم يغلط مرة بضبطها على الرغم من انه لم يتعلم فيها نوطاً واحداً ، وانما تقوده في ذلك كله عبقريته الفذة التي قادت اسلافه العباقرة دون تدريب او عناء كما شهد له في ذلك كثير من اولى الموسيقى الكلاسيكية كألكسي بطرس وكأساتذة اكاديمي ( بوزار ) وسواهم .
وحدث في عيد ميلاد هذه السنة ان دُعي الطفل النابغة فيمن دعي الى حفلة موسيقية في صالة سينما دنيا تحت رعاية رئيس الجمهورية اللبنانية الاستاذ كميل شمعون ، وبقيادة ألكسي بطرس ، وكانت الاوركسترا مكونة من مئة وخمسين قطعة او يزيد مع المنشدين فما
كادت الموسيقى تصدح بانغامها الكلاسيكية الفخمة حتى رأى المدعون طفلاً لم يتجاوز الثالثة والنصف من سنيه وقد انتصب على كرسيه انتصابة القائد الواثق بنفسه فاذا به يدير الاوركسترا من وراء الكسي ، واذا بانظار الاوركسترا تتجه اليه بكاملها لتأخذ عنه الضبط والايحاء ، واذا به يروح في شبه غيبوبة مسكرة وكأن الناس قد امحُوا من عالمه وكأنه هو وحده مع اوركستراه المشدوهة وجهاً لوجه يفهم عنها وتفهم عنه ، حتى اذا ما انتهى اللحن واسترد وعيه اذا به يحيي الجمهور المصفق بإيماآت الشكر والامتنان من رأسه ذي الشعر الجعد المتهدل ، وكأنما نفحته نفحة علوية فانبسطت اسارير وجهه الوسيم واضاءت عينه اشعاعات عجيبة ، شأنه في ذلك شأن ذوي الفن من شعراء وادباء ورسامين وموسيقيين عندما يشعرون بتقدير الجمهور لمواهبهم فيسرون ولا يكتمون سرورهم مهما عظمت شخصيتهم .
ومنذ ايام معدودة اهداه بعض اساتذة الموسيقى عصا قيادة جميلة الصنع تقديراً لمواهبه الفنية فأحبها حباً جنونياً وأولع بها حتى كان لا ينام دون ان يضعها الى جانبه ويدثرها بلحافه ، وصادف ان لحناً جديداً كان يستمع اليه مرة ويعطي فيه قيادة جديدة ، وأخذ باللحن كما يؤخذ بكل لحن يعجبه ، وثار مع اللحن الثائر واذا بيديه المتشنجتين تضغطان على العصا فتكسرانها وترميانها جانباً ، وتقوم مقامها الاصابع الحساسة المتقلصة ، ولكنه لا يكاد ينتهي ولا تكاد الموسيقى تسكت حتى يعي الى نفسه ويختطف العصا المكسورة عن الارض ويضمها الى صدره الحزين وتأخذه نوبة من البكاء تذهب فيها محاولة ابويه عبثاً ويضرب عن الذهاب الى فراشه ، ولكن الوالد الذي يفهم عن وحيده اشياء واشياء
عوضه عن عصاه بأخرى نشرها بنفسه وصقلها في الحال فما اسرع ما هدأت ثائرة الفنان الصغير ، وما اسرع ما انفرجت شفتاه عن ابتسامة امتنان ..
وفي تلك الليلة نامت العصا الجديدة مكان الاولى ، حيث الدفء وحيث اصغت لأول مرة الى نبضات قلب كبير ..
قلت لأبيه : هل في عائلتكم موسيقيون ؟ او هاوون ؟ قال بل على العكس ليس في عائلتي أمه وأبيه من يحب او يهتم للموسيقى ، وسكت قليلاً ثم قال : ولكنني انا احببت الموسيقى كما لم احب شيئاً آخر في الوجود ، ولقد حُرمت ان اتتلمذ على اي موسيقي لانني دخلت خضم الحياة صغيراً مهيض الجناح .
وسكت ايضاً ثم استأنف : ولكنني ما تمنيت على الله شيئاً إلا ان يهبني ولداً عبقرياً ذا موهبة موسيقية افخر به ويفخر به وطنه لبنان .
قلت وهل امكانياتك تفسح لك مجال تدريسه على اساتذة اخصائيين ؟ ..
قال كلا مع الاسف !.
وتذكرت ساعتئذ مايسترو ايطاليا الطفل « Roberto Benzi » الذي تولت امره الحكومة وتعهدت تعليمه وزارة الفنون الجميلة فنشأ علماً من اعلام الموسيقى في ايطاليا وهو لا يزال الى الآن يتلقى دروسه الفنية على اكبر اساتذة العالم .
وتذكرت شيئاً آخر .. ولكنني غصصت حينما اردتُ قوله ، ذلك ان فم الاديب طالما امتلأ بالماء ... وطالما امتلأ بالدم احياناً ...
