كتب موريس بيرينج، بعد موت ساره برنار، يقول: أن أعظم تماثيل العالم، وأدهش عجائب الجمال في الدنيا، وأنبل ما أنتجه النبوغ الفني، ليس سوى نترات محطمة، تسير مع ساقية الزمن، يضاف إليها اليوم، زهرة ذبلت منذ حين، ألا وهي: «ساره برنار».
جاوزت ساره السبعين من عمرها، وكانت امرأة عاجزة، مقعدة، عندما كتب عنها هذا الأديب الإنكليزي، معرباً عن أسفه الشديد، وحزنه العميق لخروجها من مسرح الحياة. كانت صدفة تاريخية، براءة على فراغ باطنها، عارضة بارزة، حازمة مدبرة، واضعة بنفسها تصاميم قواعد حياتها. لقد سادت المسرح الأوروبي في جميع أطواره، خلال حياتها العملية، الناجحة حيناً، والفاشلة حيناً آخر. ومن المعلوم، أنها في هذه الآونة فقط، عمدت في الكنيسة الكاثوليكية، ودخلت الدير، الذي ما لبث أن طردها. وأنى لمثل ساره أن يستقر في الدير!
وبعد مدة قصيرة درست فن الرسم، وربحت الجائزة الأولى، لبعض أعمالها في مدرسة كولومبيا للفنون. لكن الدوق «دي مورني» وهو صديق لوالدتها، نصحها بدخول «الكونتسرفتوار» وما يروى أنها في امتحان الدخول، قرأت بعض قطع «للافونتين»، فصاح واحد من اللجنة المحكمة: «أن لهذه الفتاة صوتاً من ذهب» وما كان العالم فيما بعد ليخالف هذا القول.
كانت سارة ذات مراس صعب، عنيد، خلال السنين
الأولى في الكوميديا الفرنسية وفشلت في كثير من أعمالها، وفي هذه الفترة نفسها أحبت، ولعله الحب الأول، لارستوقراطي بلجكي الأمير «هنري دي لين»، وأنجبت منه طفلاً دعته موريس. وهنا يبدأ صراعها وجهادها الجدي في الحياة، لأجل معيشة ولدها. وفي سنة ١٨٦٩، ولما تبلغ الخامسة والعشرين، مثلت في رواية فرانسوا كوبي «العابر» على مسرح «الأوديون» ونالت شهرة فائقة في ليلة واحدة. ومن المؤكد أن تكون هذه أسعد فترة في حياتها؛ كانت حديثة السن، طروب، محيطها الاعتبار والحيوية، وأسفرت النقاب عن نبوغها الفني، وما كان يزيد في غبطتها ولدها فقد أحبته بكل جوارحها، ولكنه ما كان ليشغلها عن حب «بيير برتون». واندفعت، سنة ١٨٧٠، تناصر كل تيار يعمل على محاربة بروسيا؛ لقد كانت متحمسة لقوميتها ووطنها، حتى أنها بلغت سن الشيخوخة، قبل أن يقنعونها بزيارة ألمانيا.

لما ضرب الحصار حول باريس، جُعل مسرح «الأوديون» مستشفى، وكانت ساره برنار ممرضة في تلك الحقبة من الزمن. ومما زاد في إذاعة اسمها على لسان كل أوروبي، تمثيلها في رواية فكتور هيكو «روي بلاس» Ruy Blas وعودتها للتمثيل في الكوميديا الفرنسية، مقابل «مونيه سولي» العظيمة. وكذلك عرف عنها الشذوذ الخلقي؛ وكانت على عتبة السبعين، عندما سألت أحد المعجبين بها، أن يهديها تابوتاً، ظل بجانب سريرها بقية حياتها، وكثيراً
