سبق فكتبت إلى «صوت المرأة» كلمة عن مؤسسة «جورج سالم» الخيرية للتعليم المهني. ويسرني اليوم ان ارسل كلمة اخرى عن مؤسستين خيريتين لجمعية «الكلمة» في مدينة حلب ايضاً، برئاسة القانوني الاستاذ فتح الله صقال وزير الاشغال والمواصلات سابقاً الذي كاد يهمل مهنة المحاماة ليشبع جوعه الروحي من طعام البر والاحسان وليجند نفسه للدفاع عن اشقى الناس وأشدهم حاجة للرحمة والشفقة ليس في قاعات المحاكم بل في احياء المدينة. ومن يكون اشد حاجة للرحمة والاغاثة من عجوز سلبته الايام الشباب والقوة وجردته من الولد والاهل والمال واعطته مرغماً الشيخوخة والضعف والوحدة والفقر ليجابه الآلام واشباح اليأس والذل اعزل حتى من عطف الناس؟! او من مريض فقير يئن تحت كابوس المرض فيخرج انفاسه أحياناً من الألم وليس لديه مال يشفع به لدى الاطباء والصيادلة؟! إلى خدمة هذين التعيسين تطوع الاستاذ صقال مقدماً ماله وعلمه ووقته تسانده نخبة ممتازة بنبل العاطفة من رجال حلب.
ان جمعية «الكلمة» تقوم بادارة مؤسستين خيريتين اولاهما دار العجزة. وقد أسس هذه الدار الاب بولس قوجاقجي سنة ١٩٢٤ في حي السيسي وهو حي قديم في حلب طرقه ضيقة كثيرة المنعطفات وبيوته متراصة تراحم
بعضها على النور والهواء. وغادر الاب بولس حلب بعد ان سلم هذه المؤسسة الصغيرة إلى الاستاذ صقال سنة ١٩٢٩. واذا كان الفضل للاب بولس في تجسيد هذه العاطفة الشريفة وإيجادها في هذه المؤسسة فله أيضاً المديح لانه عرف كيف ينتقي لها الرجل الذي يتعهدها ويغذيها بعطفه واتعابه فتنمو وتثبت ويستظل بظلها بعض الملهوفين البائسين.
وما كاد الاستاذ صقال يستلم هذه النبتة الصغيرة الصالحة حتى احبها وشغف بها واهتم باخراجها إلى جو رحيب فسيح فيه النور الساطع والهواء النقي والمنظر الفاتن، إلى حي السبيل حي القصور حيث تقيم الطبقة الراقية. ولما كان الاستاذ مخلصاً الاخلاص الحقيقي لهذه المؤسسة لم يرَ بداً من ان يكون اول المتبرعين
فقدم لها قطعة أرض وقدمت زوجته السيدة كيتا كمية من مالها الخاص كما ان عائلتها بيت المرحوم البير حمصي تبرعت بما جادت به أريحيتهم، كما تبرعوا بعد ذلك لمؤسسة المستشفى باربعين ألف ليرة سورية، وما كاد المقيمون والمغتربون يلمسون الصدق في مشروع دار العجزة حتى لبوا نداء الإنسانية بسخاء وطيبة خاطر، على ان المشروع بقي تحت عجز ١٠٠٠٠ ليرة سورية حتى قيض الله له رجلاً مغترباً جاء وطلب الإقامة في دار العجزة مدة ٣ سنوات ونيف. وكان هذا المغترب المرحوم بشير خوام فدفع الـ ١٠٠٠٠ ليرة سورية وأوحى إلى الاستاذ صقال ببناء مستشفى حديث لخدمة الفقراء وقدم له ١٥٠٠ ليرة مصرية وداراً تسوى ٥٠٠ ليرة ذهبية. وهكذا


