كثر البحث مؤخراً في مشكلة الاديب اللبناني وكساد سوق الادب . وقد تساءل لماذا نشكو الركود الادبي ولا نشكو الركود العلمي وعدم وجود مؤسسة لبنانية واحدة للابحاث العلمية والطبية ؟ وهل العلم دون الادب شأناً في هذا العصر العلمي ؟
على ان ماضي لبنان اللامع في الادب يوجه سكانه بصورة خاصة نحو الثقافة الادبية ، مع العلم ان مركزه الجغرافي يؤهله لتعزيز الثقافة بفرعيها العلمي والادبي .
سأقصر كلامي في هذا المقال الموجز على الناحية الادبية واذكر للركود الادبي بضعة عوامل عميقة لعل غيري لم يتعرض لذكرها في ما كتب حول الموضوع .
فارس الشدياق وسليمان البستاني وابراهيم اليازجي ، ثم حبيقه والشرتوني وضومط بعدهم ، انتجوا ادبهم تحت رعاية المرسلين الاجانب او بفضل المغامرة التي امكنت بعضهم من احتلال المراكز العليا في الدولة العثمانية . وفي مطلع القرن العشرين ظهر اشهر ادباء لبنانيين خارج لبنان : زيدان وصروف ومطران ومي وغيرهم في مصر وجبران وزملاؤه في المهجر .
ولا تزال هذه الروح الاتكالية ترافقنا حتى اليوم فنحن لا نزال نتكل على الاجانب لانشاء معاهدنا ومؤسساتنا واستثمار مرافقنا الحيوية ولتشجيعنا على الانتاج من علمي او ادبي . ولا نزال نعتمد على لبناني المهجر لكي يمدونا بالمال ويرفعوا اسم لبنان بادبهم وعلمهم في الخارج .
ثانياً - اذا فرضنا تخميناً ان عدد القراء في لبنان يبلغ نحو عشرين ألفاً ، يجب ان نفرض ان عشرة آلاف منهم لا يطالعون سوى صحف الاخبار ونحوها ، وعشرة آلاف يطالعون الكتب وغيرها . ولكن من هذه الفئة الاخيرة لا نجد سوى ألف - وربما الفين - يطالعون الكتب العربية ، في حين ان الباقين يقصرون مطالعتهم على الكتب الاجنبية والسبب في هذا ان اكثر المدارس الثانوية اجنبية او بحكم الاجنبية ولغة التدريس فرنسية او انكليزية فلا غرابة اذا اتخذها الطالب والطالبة مكان اللغة الام ، وقصر مطالعته عليها .
وبما ان تصريف الكتب يعتمد في الدرجة الاولى على الداخل لا على الخارج ، على الاهل والسكان الاقربين الذين
يتذوقون ادب بيئتهم ويسيغونه قبل الجيران والاصحاب الاباعد ، يتضح لنا ان الف قارئ في العربية لا يمكن ان يضمنوا وجود ادب لبناني بالمعنى الصحيح . واني اعتذر الى دائرة الاحصاء عن هذه الارقام التقديرية .
ثالثاً — مع اعتقادي بوجود الكفاءات الادبية في لبنان واحترامي لادبائه الحاليين ، لا بد من القول ان اداة التعبير - اعني اللغة - تقف حائلاً دون جودة الانتاج وبلوغه القمم . لانها لا تزال لغة بعيدة عن الحياة ، تحس وانت تكتب بها انك مرغم على التصنع . فهي لا تلين بسهولة للكتابة العادية اليومية ولا للعبارة القصصية او المسرحية وهي لذلك قليلاً ما تغري الكاتب او القارئ . وما عليك لتمتحن صدق قولي ،
تشجيع التأليف والنشر والتوزيع ولكن ما هو عدد الكتب المصرية التي تستحق الخلود ؟
لقد حاول توفيق الحكيم في مصر ، وتوفيق عواد وغيره في لبنان ، ان يكتبوا بلغة قريبة من الحياة فثارت عليهم ثائرة المحافظين ، كما ثاروا على جبران من قبل ، حتى اضطروهم الى التراجع .
يرى بعض انصار الادب ان يدعوا موقف الاديب اللبناني باستجداء كف الحكومة ومطالبتها بان تمده بالمساعدة المالية . وهذا الحل للمشكلة لا يخرج عن كونه نوعاً من الترقيع والتسكين الوقتي . لانه لا يتناول الاسباب العميقة ولا يعالج الاساس . اذ ما فائدة نشر الكتب حين لا تجد قراء ؟ وما فائدة منحة تدوم حيناً ثم تنقطع ؟ انها من نوع الجهود التي تبذلها الجمعيات الخيرية لمكافحة الفقر .....
سوف يزدهر الادب اللبناني حين تسري في لبنان روح جديدة ترغم اهله على الاصلاح والتبديل الواسع النطاق . وكذلك في الاقطار العربية التي حوله . وحينئذ تستطيع هذه الاقطار ان تتعاون فيما بينها وتتبادل الكتب كما تتبادل سائر المنتوجات . وتنصرف الى اصلاح لغتها والتوحيد بين لغتي الكلام والكتابة ، وتعزيز ادبها ورفع مستواه .
وسوف يزدهر الادب في لبنان وفي الاقطار العربية حين يصبح كل من هذه الاقطار وطناً بالمعنى العصري للكلمة ،
( البقية على الصفحة ٣٩ )
