
في بئر الاختبار ألقيت دلوي وراء حكمة جديدة ، فإذا الدلو يحط ويستقر أشياراً من سطح الماء ، أما الأغوار العميقة التي يكتنفها المجهول ، فلا تنفتح مغالقها المسحورة إلا على طقة الدلاء العتيقة التي باتت ، لطول تمرّسها ، تعرف كيف تجد طريقها إلى قلب البئر ، وإلى قاعه ...
وانتشلت دلوي عجلى من بئر الاختبار ، فإذا الدلو على صغره ، وعلى ضحالة الماء التي احتوته ، طافح بالحيرات حتى شفتيه . ونالني العجب - كل العجب - من أمر عملاق بدين ، مديد القامة ، زاحمي مكاني على حافة البئر ، والناس حولنا يقتتلون على نقطة الماء ، فانكمشت متهيبة إلى جنبه ... ماذا لو خطر له أن يرفع قدمه الغليظة ويحطها عليّ ، فيودي بي ؟ .. لكن شيئاً من هذا لم يحدث ، واكتفى العملاق المديد القامة ،
بأن يحدجني بين الحين والحين بنظرات من نار ، تكاد تلتهمني غيظاً وحسداً . لماذا ، على ضآلة شأني يكون لي دلو يغترف لي من البئر ، الحكمة تلو الحكمة ، وهو العملاق الكبير الكبير ، ينشر في الهواء يدين فارغتين ، وعبثاً يحملق في دلاء الناس الملأى فلا يستطيع أن يتفهم حرفاً واحداً من حكمتها ، أو يفك رمزاً من رموزها المبهمة .
وحططت دلوي في زحمة الناس ، بين لغطهم وصخبهم ، استقرؤه حكمة يومه ، وفي نهم إلى المعرفة وإلى سبر أغوارها .
أول ما انجلى لعيني هو أن الحياة صراع ، وأن الإنسان وُجد للكد والاجتهاد ، ينال من النجاح والفوز بقدر جدّه وسعيه ، وأسهمه في الحياة ترتفع وتنخفض بنسبة ذاك السعي وذلك الجد .
رب معترض ، بوسعه أن يأتي بعديد الطرائف مبرهناً ، خلافاً لما زعمت ، من أن الحظ وحده ، هو الذي يلعب بمقدراتنا كيفما شاء ، وأن فلاحنا المشرق ، أو أفلاسنا المقطّب الكئيب ، إنما هما نتيجة سهم طائش يقذفه الحظ على غير هدى ، وإلا فما الذي يجعل فلاناً من الناس بين ليلة وليلة ، يغرق في الأرزاق حتى أذنيه ، وفلاناً آخر ، ما أن يجول وجهه شطر حنية من الأرض خضراء ، حتى تُقفر الحنية في وجهه وتحمل ، فيرتد عنها يائساً إلى أخرى ، ليصيبه في المرة الثانية ما أصابه في الأولى ؟
وهنا ارتفع صوت الدلو قائلاً : اعلمي يا هذه التي تنشدين حكمتي ، أن هذا الذي يُطلقون عليه اسم الحظ يُختصر في أن الإنسان منا لا يُفلح إلا نتيجة غنمه الفرص العابرة ، عندما تسفر له فجأة عن وجه من وجوهها النيرة . وليست هذه الفرص
ما يدوم ، بل هي أشبه بومضات برق ، تشع في حياتنا برهة خاطفة ، ولا تلبث بعدها أن تعود إلى أظلامها الأول ... ومن شاء الاستفادة من نورها ، استجاب لندائها وتعلق بأهابها ، فرفعته إلى عليائها وأرته العجب العجاب ، ومن عشيت عيناه فأطبق أجفانه دون ساطع وهجها ، كان شأنه شأن البلداء الذين تخونهم شجاعتهم وقت الحاجة ، فيعمّون دون الاستفادة من ومضة الخير هذه ، ويتربصون في جبنهم وخذلانهم ، قابعين في أماكنهم متنكرين لكل مفلح في الحياة ، لأن الحظ في عرفهم عبده وحده ، ينقاد له وينساق أثر خطاه طائعاً ذليلاً ... وما درى هؤلاء ، أن ومضة الحظ لا تجيئهم كل يوم ، ولا كل سنة ، وقد تحجم عنهم وتدبر ، فلا يعودون ، مدى أعمارهم ، يلمحون شرراً من شرارتها ... فحظنا إذن من صنع أيدينا ، هو ثمرة غنمنا سوانح الفرص ودعمها بقبضة من حزم ونشاط وحكمة وشجاعة.
*
وقذفت دلوي إلى البئر من جديد ، بجانبة جاري العملاق المديد القامة ، متحاشية التعرّض إلى غلاظة خلقه وخُلقه ، لثلا ينالني منها ما لا رغبة لي فيه . ورنوت إلى قلب الدلو ، أتطلع في أعماقه بشوق لأتبين ما عسى أن يكون قد علق على شفتيه من حكمة مفيدة ، فإذا الناس اثنان : واحد يبني مجده على انقاض الآخرين ولا يطيب له العيش إلا طفيلياً ذليلاً مراوغاً ، يقضي أيامه ولياليه في حياكة الشباك ونصب الفخاخ ، ليصطاد هذا ويوقع ذاك ، متبجحاً بصوته العريض ، مدّعياً شتى الادعاءات الملتوية المبنية على البهتان والنفاق ... ورجل ، لا يؤمن إلا بعرق الجبين وشحذ العقل مورداً لرزقه ، وبالدرب المستقيمة الواضحة وبالخطوة الواثقة الأمينة ... والانتصار للأخير ، مهما تأنّى وتباطأ ، قلما يتنكر لهذه الفئة الثانية ، أو يوليها ظهره ، غير آبه لأيجابيتها المبنية الأهداف والغايات ، وأن الغلبة المادية في هذا العصر المادي المحموم لن تكون إلا للإيجابيين : الإيجابيين في أعمالهم وأقوالهم ... وحتى ضمائر هؤلاء هي على الغالب مغلفة بالنيات السليمة الطيبة ، فهم يرقون السلّم خطوة خطوة - لا يتعمدون قذف من تقدمهم غدراً ، ولا يعرقلون سير القافلة حسداً وصغر نفس .
وهنا انطلق صوت الدلو عالياً متهدجاً كصوت الرعد :
والإنسان - ما شأن الإنسان بهذا الكدح الطويل المضني ، تحفي منه قدماه وتنطفئ شعلة الفتوة المتقدة في عروقه سعياً وراء القرش ... ترى أيكون هذا القرش هدف الإنسان البعيد وحُلم