قلبه ، يموت ألف ميتة باحثاً عنه منقباً عن مخبأته ، ليختزن منه بالتالي حفنة يفيء اليها مطمئناً راضياً ؟ . ومن قال إن الانسان متى أصاب هذه الحفنة من القروش ، ارتدّت اطماعه على اعقابها وعاد الى حظيرة الامن والاطمئنان وبلغ غايته ؟
الويل كل الويل للذين يتوهمون ان المادة هي وحدها غاية تناحرنا وتكالبنا في الظلمة وفي النور ، في البرد وفي الحر .. فالقروش التي تدخل جيوبنا عن طريق معاش او عن طريق تجارة ، انما هي وسيلة لتأمين لقمة الخبز والسقف والضوء والثوب نستتر به ... قروش تجيء وتروح ، نقبضها هنا لنودعها هناك ، ولا يبقى لنا منها سوى الاثر المعنوي العميق ، سوى الذكر الذهبي الطيب . الحقّ أقول لك ايتها الباحثة عن الحكمة
إن في قصيدة ينظمها شاعر ، او مقالة يدبجها قلم اديب ... إن في لوحة فنية او تمثال ، حتى وفي ثوب دقت صنعته وبذل فيه الخياط جهداً مرموقاً ـ ان في هذه جميعاً وفي كثير غيرها من الاكتفاء والعوض ما لا يعدله مال الارض ... واولادكم ، صوركم المصغرة قصائدكم الحية ، ألیسوا أجمل اثر يبقى بعدكم ؟ وهل ثروات العالم برمتها تساوي في الميزان هذه الآثار الجليلة النضرة ، هذه التماثيل النابضة حيوية وحرارة ؟
راق لأذني وطاب حديث الدلو ، وطربت نفسي وانشرحت لوقع عباراته ولعلها عاطفة الامومة فيّ ، استيقظت وتنبهت للاغنية الحلوة ، الشجية اللحن ، فتجاوبت في نفسي الاهواء والمشاعر النبيلة وفاضت بالدمع مآقيّ لسبب لم اعرف كنهه ، وتوسلت الى دلوي الحيّز
وقد ملأته بدفقة جديدة من بئر الاختبار توسلت اليه ان يزيدني ، ويستفيض في حديثه لي ... فقال :
انها اقلية ضئيلة في الناس ، تلك التي فُطرت على الخلق والابداع ، وباستطاعتها ان تسجل اثراً تشريعياً اوادبياً اوفنياً ، وتترك للانسانية تراثاً ثابت الاركان يكفل لصاحبه بعض المجد واكتفاءً ارضي طموحه ... والناس ، عدا هذه الاقلية الخلاقة ، كقطيع ضخم يتكتلون اثر قائد او زعيم ويأتمرون بأمره ، ولكن هذا لا يمنع من ان يكون لكل انسان من هذا القطيع الضخم رسالة واضحة المرامي . وجميع اعمال الانسان توجه حسب نظام خاص وخطة مرسومة لتحقيق هذه الرسالة على احسن وجه ممكن . وليست رسالة الانسان العادي
( البقية على الصفحة ٣٩ )

