أعلمت يا قلبي بما جرى ؟ إنها نامت كما تنام الورود ؛ اطبقت جفنيها على احلام صباها ، ثم مضت .. أعلمت يا قلبي بكل هذا ؟ لعنت اذن لعنت ، ألم تكن يا قلبي بكيانك ، صورة عن قلب أمي ؟ ألم اعهدك تنبض ، بمثل ما كان ينبض قلبها ؟ وتدق في صدري في الآن الذي كنت تدق في صدرها ؟ وتمر عليك العلة التي كانت تترى على فؤادها ؟ فمالي اراك يا قلبي تتابع مسيرك في صدري ؟ وقلب أمي قد صمت في صدرها ووقف وسكن الى الابد يا قلبي . الى الابد ؟ ولكن هيا لا تقف .. وانبض في ضلوعي ما تشاء ؛ فان امي كانت تريد لي الحياة ، فهل ارفض شيئاً ارادته امي ؟ اضرب يا قلب في جوانحي .. ودعني ارى الحياة وحدي .. مخيفة موحشة .. مضلة .. فلن يضمني بعد صدر رؤوم ، حين ترتعد روحي خوفاً .. ولن تنالني يد بالرفق ، حين تسري الوحشة في ظلمة نفسي .. ولن يرشدني رأي حنون حين اتعثر بدرب غدي بالضلال والسوء والظلام . اضرب يا قلب في صدري .. ودعني اعيش لارى أشلاء أملي .. فمن يغرس الزهور في غدي ؟ ومن يضيء لي شعلة يومي كلما اطفأتها بوجوم نفسي ، ودموع عيني ، وثورة كل كياني .. ! اضرب يا قلبي اضرب .. ومد في عمري ما تشاء ، فهل تعرف الصفاء الذي كان يغمرك بالزهو ، حين كانت تنظر إليك عيون امي ! او هل تمر بك بسمة من بسمات الملائكة ، كتلك التي كان يضفيها عليك ثغر امي ؟ او لعلك تأمل ان في الوجود كله من يستطيع ان ينقل لك كلمة بالانعطاف الذي كانت توليه امي ؟ اضرب يا قلب لا تقف .. ودعني
اشارك الربيع في احزانه على امي ، فوروده البيضاء قد كبرت في مروج الارض كلها ، ولكنها ظلت قبيحة .. فاترة .. راكدة فهل من يزين الورود كوجه امي ؟ والعشب المسكين اورق ، على الضفاف جميعاً ، ولكنه ظل هزيلاً .. ساكناً .. متعباً .. فهل من يداعب الاعشاب كأنامل امي ؟ اضرب يا قلبي اضرب .. ودعني اتخيل أمي في عليائها ، وقد اتخذت من حوريات السماء بنات ثلاث ، يسلين وحدتها ، ويطرين انفرادها ، ويضحكنها ويلعبنها .. كما كنا نفعل معها : اخواتي وانا . دعني ارى كبراهن تعزف لها على القيثارة ، وامامها الثانية تضحكها وتؤنسها ، والثالثة ترقص من اجلها رقصات السماء .. فهي لا تطيق الوحدة .
وهي تحب الانس والفرح .. وهي شابة سوف تغمر السماء بفرحة صباها . اضرب يا قلبي .. ودعني ارى خيبة احلامي بعيون روحي ، دعني اتخيل نفسي امشط شعر امي الاسود ، واحلم بخصلات رأسها وقد غدت بيضاء ، يزينها الشيب الجميل ، وتلتمع في مفارقها السنون .. فان موتها في صباها سيظل ينخر في قلبي حتى يوم لقائها ... فاضرب يا قلبي اضرب .. ودعني ارى قبر امي امام عيني ، واتصور كيانها مسجى في اعماق الثرى ، وهي هناك .. لا تدري بحلول الربيع ، ولا بأفول الشتاء ولا بمجيء الصيف ولا بقدوم الخريف .. وهي لا تعلم بالصباح ولا بالمساء .. وهي هناك لا تشعر بعميق اسانا ، ولا تدري بانقباض قلوبنا التي تختلج بلوعة ذكراها !!!
