قبل ان تصغي الى حديث طفلك ، وعباراته الساذجة ، احميها في حفيف ثوبه ، اثناء قيامه برقصاته الاولى ؛ وقبل ان يشرح لك افكاره الغامضة استوضحها في تلك الحركات البريئة ، التي يعجز عن تأديتها بيانه ، فيملئها جسمه الغض .
ان في كل حركة يقوم بها الطفل ، رقصة طبيعية ، فهو يتمايل كالأشجار في جنات الحياة ، مفرقاً هنا وهناك ، عبارات عجز عن الافصاح بها لسانه الصغير ولغته الساذجة ، فاصدرها تمايلات حساناً ، تلفت اليه الابصار ، وتستثير الضحكات مضفية على الجو من حوله موجة ساحرة من المرح والغبطة والارتياح .
قد لا تشبه حركات الاطفال ، رقصات البالغين المتمرنين ، ولكنها دون شك اساس متين ، لبناء المواهب الفنية ، فهي تعبير عن خلجات نفسية ، وترجمة لعواطف الطفل ومشاعره ، ينفحها الاجواء بسذاجة وطهر خلابين .
يتمكن الاطفال من الرقص ، وهم في صف الحضانة ، ولكن في هذه الفترة يحتاجون الى قليل من التوجيه والتعاريف السهلة ، وعلى المدرب ان يلعب قطعة موسيقية خفيفة ، ينقاد الاطفال اثناء ايقاعها الى ابراز حركاتهم الطبيعية ، بدون توجيه خاص ، وفجأة تبصرهم ملائكة ، يحلقون على اجنحة الاثير ، فيهمون مع العامل في حقله ، او يرافقون العصافير الى اعشاشها ، مقلدين « نوم العصافير » في رقصة جذابة ، ويتحولون الى فراشات تداعب حبال الشمس باجنحتها ، أوسراب يعانق حبات المطر ، ويرتشفون قطر الندى ، او يعبرون ، دون ان يدركوا ، عن قصص واساطير رويت لهم منذ حين ، فهم عصافير ، وفراشات أو ملائكة هبطوا الارض ، وعجزت عن جذبهم الى صفحة اديها فعلقوا عالياً ، وعالياً جداً !
اذا راقبت رقصة طفلة في الخامسة من عمرها ، تلحظ عرض شتى العوامل النفسية التي تتوالى في حركاتها ، فهي تحب ثم تكره ، وتخاف او تشك في شيء يخلق في مشاعرها اكتئاباً ، او ثقة تظهر المرح والحبور .
ولا شك في لأهمية الملاحظة من ادراك نفسية الطفل ، ومعالجة تعقيدها في فترة التربية الدراسية ؛ فهذا سمير ، يتردد في مشاركة رفاقه في رقصاتهم لانهم لم يقبلوه رئيساً لهم ، وليلى انزوت بعيداً ، تحدج صويحباتها بخجل ، باكية لعدم تمكنها من التصريح عن سبب رفضها للمشاركة ، وهنا ، اهمال الولد تماماً ، يأتي بالنتيجة المتوخاة ، فيثوب الى نفسه ، ويصرخ فجأة : « وانا ايضاً اريد ان ارقص » ويتلاشى الغيظ من عيني ليلى عندما تجذبها رقصة الطفل الضائع ، فتركض لتقوم بدور الام الباحثة .
ولا يخفى ما في الرقص من تمرين للمضلات اللينة في جسد الطفل ، علاوة على ابراز توجيه شعوره ، وايضاح تفكيره ، وهذه انسب فترة للمخالطة الاجتماعية ، التي تهيئه للسير في شعاب الحياة دون تعثر او ارتباك . وكلما نما الولد ، يمعن في حفظ اصول الرقصات المختلفة فيتقنها ، متذوقاً طعم هذا الفن الرائع .
وهناك « الرقص الشعبي » المتبع عند أكثر الامم مهما تباعدت مسافاتها ، وتباينت عوائدها ، اما المدارس الحديثة الراقية ، فتدرس الرقص ككل مادة يتوجب على الطالب اتقانها ، فهو كالرياضيات والتاريخ واللغات . وفي الرقص الحديث فن وصقل ، يندمجان مع تفكير الطالب ، فيغدو قادراً على التفرقة بين انواع الرقصات ، لدى سماع لايقاع الموسيقى ، فيكون قد بنى مواهبه على اسس تعبير الطفولة البدائي ، ويعتبر الرقص في المدارس الحديثة من العوامل الفعالة في تأدية رسالة خلقية باعتبارها اساساً للتهذيب الخلقي الرياضي ، كما انها تنفر النقاب عن مواهب تكون مغمورة من قبل ، وترسم امام المتفرجين رموزاً أسمى من أي تعبير آخر ، لاظهار خبآت الصدور !


