يا له حديث يملأ النفس زهوًا، ويفعم القلب أملاً ويضفي على العقل متعة هي له غذاء وهي له كذلك شفاء.
أما الزهو فهو بهذه اللغة الحية التي لم تستطع الإحقاب أن تميتها مع أنها أماتت أخوات لها كثيرات.
وأما الأمل فلأننا نستطيع نحن مثقفي هذا الجيل شعباً وحكومات ومدرسين أن نعيد لها سالف مجدها وأن نحييها بعد فترة احتضار وأن نوقظها من رقدة استجمام طال أمدها.
وأما العقل فلأن الإيمان يحقق العجائب ولأن لهذه العجائب أدلة وبراهين لا يقرها المتفينقون ولا المتفرّسون ولا المتأنكزون ولا العاميون، ولكن يقرّها المنطق ويشهد لها التاريخ وتؤيدها حقائق الحال.
وأني لذلك لمتفائلة وأني لمرددة مع أبي القاسم الشابي قوله المأثور:
«إذا طمحت للحياة النفوس
فلا بد أن يستجيب القدر»
سوف لا أتعرض بحديثي هذا، لتاريخ هذه اللغة ولا لضرورة إيجاد علماء فيها يعرفون كيف تأثرت باللغات الأخرى وكيف أثرت فيها، فتاريخ العربية قصيّ طويل تشعر وأنت تنقب عنه كأنما تنقب عن الذهب الخالص في كنز يبهرك لمعانه وتسيطر عليك فيه متعة رؤيته. وإنما سأعرض باختصار المواد الأولية التي يجب أن نعمل بها لنجعل من هذه اللغة المحبوبة عند الخاصة لغة سهلة المأخذ سلسة الانقياد مطواعاً يشغف
بها الجميع لطلاوتها وروائها، ولأناقة تركيبها وفخامة لفظها ولما لها من خصائص كخاصة الوزن في الشعر وخاصة الاشتقاق وخاصة التعريب.
وفي اعتقادي أن البدء يكون في المدارس أولاً وفي دور الحكومة ثانياً، وكذلك يكون بمعاونة الحكومة نفسها ووزارة التربية.
فإذا قلنا في المدارس فيجب أن نفهم أن على معلم العربية الذي يجب أن تنتقيه وزارة التربية الوطنية انتقاء، أن يكون من هواة هذه اللغة ليتطعم الطلاب بهذا الهوى فينشأوا متحمسين لها مهووسين بها مشغوفين بجمالها متعصبين لكل كبيرة وصغيرة فيها. وعليه أن يكون ذا موهبة أدبية حتى لا تفوته شاردة ولا واردة في اللغة. وأن يكون مطلعاً على سير الحركة الأدبية في الأدوار التي مرّت بها سابقاً وفي العصر الحاضر ليذوّق طلابه لذة المفاضلة بين أديب وأديب وكتاب وكتاب. فهكذا يستطيع أن يدفع طلابه لمطالعة مكتبة ضخمة ولمعرفة أدباء كثر وعلى الأخص المعاصرين منهم لكثرة إنتاجهم ولاتساع آفاقهم، دون أن يدعهم يشعرون بثقل الفرض أو مضايقة الإلحاف أو صعوبة التثقف. ويتحتم على المعلم في هذا الدور أن يترك للطلاب مجالاً واسعاً ليتناظروا ويقارنوا ولا بأس من أن يشركهم الرأي ويناقش مواضيعهم دونما تسفيه ولا تشويه تاركاً لهم حرية الرأي والبحث والمفاضلة جاعلاً لهم من نفسه قاموساً يهتدون إلى ما يريدون بهديه.
وعلى المعلم كذلك أن يعوّد مسامع الطلاب وألسنتهم، بل ويتفنن في ذلك ما شاء له التفنن، على الالتقاء الجميل واللفظ الرائع. وعليه أن يدلّهم على مكمن رشاقة الاستهلال وعلى موضع حسن التخلص. وأن يوجه انتباههم إلى سر جزالة اللفظ وروعة سحر البلاغة، وأن يقارن معهم بين عبارة وعبارة وبين بيت من الشعر وبيت، فيجعلهم يحسّون النغم وينصتون للجرس ويفتنهم البيان المشرق في أي قالب من القوالب.
هذا في الصفوف التكميلية. وأما في الصفوف الابتدائية فيشترط في المدرّس أن يكون على شيء من ارتجالية الفصحى إذ يتحتم عليه أن يتخذ طريقاً وسطاً فلا يصعد كثيراً بالعامية ولا ينزل منحدراً بالفصحى وله بعد ذلك أن تفهم صغاره بأن اللغة الصحيحة ليست بعيدة كل البعد عن اللغة العامية. فبإمكانهم مثلاً أن يقولوا بدل «بتريد» أتريد؟ وبدل «محاية» محاة، وبدل «حيط» حائط، وبدل «مشي» أمش. إلى آخر ما هنالك من كلمات متقاربة يحفظها التلميذ بسهولة لتشابهها ويعتقد أنه أدّى شيئاً عظيماً إذا هو أتقنها. ثم يأتي بعد هذا دور المحادثة، والمحادثة لها تأثير وأي تأثير على تقويم لغة الطلاب. فهو بواسطتها يقدر الطفل أن يثرثر مع معلميه ومع رفقائه دون أن يخشى في ذلك لومة لائم. والطفل إلى ذلك سريع الحفظ حاضر البديهة، ولسانه لم يعتد مجاراة الكبار فيما يأخذون فيه من أحاديث، لذلك هان تقويم لسانه وسهل على المعلم تدريبه بسرعة. كل ذلك دون

