ليس هناك من انفعال داخلي يكثر فيه تعرض الطفل اليه كالخوف ، ومع هذا فقليلات منا من يبذلن الاهتمام اللازم للبحث عن اسبابه والقضاء عليه قبل ان يتأصل في اعماق الطفل ، ويرافقه طيلة حياته .
والخوف هو احدى القوى التي تعمل اما على البناء او على الهدم في تكوين الشخصية ونموها ، وذلك بالنظر للتوجيه الذي يلاقيه الطفل في سنيه الاولى ، عندما يصطدم خياله بهذه العقبات ، فيقع نتيجة لها ، فريسة المخاوف المختلفة .
واذا تحدثنا عن مخاوف الطفولة على انها ضروب من الحمق او قصور الادراك ، فذلك لاننا نحن الكبار عاجزون عن ان ندرك بعض اختبارات الطفولة المبكرة التي تترك في العقل اثاراً تتحكم في سلوكنا وموقفنا العام نحو الحياة ، حتى بعد ان تكون التجربة نفسها قد غابت عن الذكر بوقت طويل . ولقد قال فكتور هيغو في كتابه « ذكريات الطفولة » : اذا قيل شيء مرة رسب في العقل ، اما ذلك الذي يصدم الذهن فانه غالباً ما يعود مرة بعد مرة ، وهكذا تعيش في صدر الطفولة الساذجة كثير من الامور المغلقة التي تستعصي على البيان والتفسير .
قلت ان اكثر مخاوف الطفولة تنشأ عن انواع الخبرة التي يتعرض لها الطفل لدى اقباله على الحياة . ومع ان اكثر الاباء اصبحوا يقلعون عن اثارة الخوف في اطفالهم كنوع من التهديد والعقاب ،
او كطريقة لغرس السلوك الطيب ، فان قليلا منهم من يبذل نحو المخاوف التي يبديها اطفالهم ، ما يجب لها من عناية واهتمام .
والخوف من الظلام يشيع في حياة اكثر الصغار حيناً ما ، غير انه هذا ليس امراً غريزياً ، لان الظلام في الواقع لا يبعث على الخوف ، وان ما يثيره عن حق هي الامور التي ينسجها خياله ، نتيجة لاقاصيص مفزعة يستمع اليها الاطفال في الاماكن الساكنة التي يحوطها الغموض ، وسرعان ما يربط الطفل الظلمة بالكوارث والضرائب ، فاذا كان الليل والطفل في فراشه ، شط خياله وجمح عقله ، وعادت به الوحدة والظلمة الى تلك الاقاصيص المفزعة ، فانهلع قلبه وخاف .
فاذا ذكر الاباء ان الظلام في الواقع لا يخيف الاطفال ، لكن ما يخيفهم هو ما يصدر عن اخيلتهم التي يستطيعون ضبطها - اذا ذكر الاباء ذلك ، وجب ان يكونوا اكثر تسامحاً ازاء هذه الخبرة عند الصغار - هذا ويجب القضاء على الخوف في اقرب فرصة ممكنة ، بان يؤكد الاباء ، ما امكنهم ذلك ، بُعْد اوهام الطفل عن الصواب ، وان يكشفوا له عن عبث ظنونه واحتيال خيلته . اما اذا تُرك الخوف اياماً واسابيع املا من الاباء في نسيان الطفل اياه ، فيغلب ان يستقر في عقل الصغير وان يصبغ كثيراً من مواقفه في الحياة بعد ذلك .
وأفضل الوسائل لمعالجة الخوف عند الاطفال هي ان نشجعهم على التحدث عنه كما يشاؤون ، لانهم كلما تحدثوا عنه ظهرت لهم تلك التجربة اكثر إلفة واقل غرابة . ولكم يخطئ المرء حين ينصح الطفل بان يتناسى الامر قائلا له : « لا تتحدث عنه ! » او « فكّر في شيء آخر » كما وانه يحسن بالكبار انه يمتنعوا عن السخرية بالصغير اذا خاف ، او عن القول بانه شديد الغباوة والجبن .
وكل ما تستطيع الام الحكيمة ان تقوم به هو وقاية الطفل - ما امكنها ذلك - من التجارب التي تبعث الخوف في نفسه . على انها اذا وقعت ، وجب على الام آنئذ ان تحاول القضاء على تلك المخاوف في اقرب وقت ، ولا يتيسر ذلك الا اذا شعر الطفل بان متاعبه ستكون محلا للعطف والتقدير الصحيح ، ويعني هذا ان تكون ثقته تامة في تفهم اهله للمشكلات التي تعرض له . لهذا لا ينبغي البتة ان نستهين ، او ان ننقد ، او نهزأ بمخاوف الطفولة ، لانها تتطلب منا الاهتمام والعطف وحسن التقدير .
عندما يسأل طفلك عن الدراهم
قد يكون ذلك عندما يبلغ الطفل سنته الرابعة ، وربما يتأخر حتى الثامنة ، ولكن آجلاً ام عاجلاً ، لا بد ان يطرح عليك سؤاله : « هل نحن اغنياء ام فقراء ؟ »
قلما تكون الوالدة ، البادئة ببحث هذه الناحية الاساسية مع ولدها ، ولكن ، متى بدأ البحث عليك ان تستعملي الصراحة والسهولة باجاباتك ، وهذا الشرح لا يعدو كونه خطوة اولى ، بينما التمرين على التصرف بالنقد وهو الذي يأتي بالنتيجة
