خرجت المرأة اللبنانية من المعركة الانتخابية نقية الثوب ، فلم يبدر عنها ما يشير إلى أنها كانت رعناء عديمة التقدير لأهمية هذه المسؤولية تسند إليها لأول مرة في تاريخها الطويل .
وقد شهدت المهرجانات : النسائية منها وتلك التي اشترك فيها الجنسان معاً على صحة القول المأثور : « ما أسرع ما تكيّف المرأة نفسها للظروف الجديدة !! » ونتيجة لهذا التكييف السريع المدهش جاءت انتخابات المرأة ، نسبياً ، لاعتبار عدم اجباريتها ، متساوية لانتخابات الرجل ... اما انهزام المرأة في المحاولة الوحيدة التي تطلعت فيها الى كرسي في المجلس ، فهذا ما كان متوقعاً بالذات ، نظراً للظروف المعروفة لدى الجميع .
غير انه ، اذا شئنا تحليل الموقف بتجرّد ، على ضوء النتائج الاخيرة ، اتضح لنا بجلاء ، ان الناخبين اللبنانيين ما يزالون أرقّاء ، لما تتحرر عقولهم بعد من جبروت التقليد الموروث ، ولا تعوّدوا ان يُغضّوا تُرفَعاً فلا تضعف اعصابهم حيال المساومات الرخيصة .
لولا هذه الحقيقة المؤلمة لكنا دفعنا الى المجلس النيابي العدد الاكبر من المواطنين ، ممن تتسع رؤسهم للمُثُل والمبادئ والحق ، وتشحّ جيوبهم عن الانفاق حتى التبذير !
أجل ! لولا هذه الحقيقة المؤلمة لما انحصرت طبقة النواب بالموسرين ... الا افراداً قلائل ، « باطحوا » بالف وسيلة وفن ، وعملوا المستحيل حتى ظفروا اخيراً ... بشق النفس !
هكذا يحق لنا القول : ان النتيجة الانتخابية لم تجيء معبّرة عن ارادة الطبقة المثقفة الواعية من ابناء الشعب ، وكانت الكلمة الفاصلة - وبالاسف - للاكثرية الساحقة التي تنقاد وتُطبع ، وقلما تدرك ادراكاً واعياً ، لماذا تفضل ، وتلح في تفضيل هذا على ذاك !!.. فكأن من منطقة زاغت عيون اهلها عن اختيار النائب الصالح ، وزجّت في البرلمان العتيد نوابا هزيلي الامكانيات ، يفتقرون الى التفوّق العقلي المطلوب ، والى مجمل الصفات والفضائل التي نريدها في مثلينا ...
نحن لا ننكر على السلطات المحلية حيادها ومسعاها الحازم لتؤمن الحرية التامة لكل ناخب ، ولتوفر له جواً يشيع النظام والامان التامين . وقد وفقت الحكومة في ذلك الى حدّ لم يسبق للبلاد عهد بمثله ... لكن ، انسى للحكومات ، مهما تعاظم نفوذها وامتدت سطوتها ، ان تتمكن من التأثير على عقلية شعوبها ، والحد من اندفاعها الطائش الساذج وراء القيم الفارغة ...
... يلزمنا بعد في لبنان سنون وسنون من الاختبار والتعلّم والتمرس لنستطيع بالتالي ان نفاخر بانتخابات حرة نزيهة ، مستوحاة فقط ... من ارادة ... وضمير !


