كتاب « منازعاتنا الداخلية » او Our Inner Conflicts للكاتبة الالمانية ، السيدة كارين هورناي ، يبحث في انواع الشذوذ العصي واسبابه ، ويصور لنا ، بامثلة حية من صميم الحياة ما وصلت اليه الحياة الاجتماعية في العصر الحاضر من تعقيد وتشابك في منافذ العيش المتعددة ، ويبين لنا اثر هذه العوامل الخارجية في نفوس الناس وما ينشأ عنها من نزاع داخلي ، ينتهي في كثير من الاحيان الى عصبية نفسية عنيفة ، تصبح فيما بعد انحرافاً نفسياً وشذوذاً في العلاقات الاجتماعية .
تقوم اهمية كتاب « منازعاتنا الداخلية » بالدرجة الاولى ، على ما للمؤلفة من مكانة ممتازة في الاوساط العلمية العالمية . فالسيدة كارين هورناي ، المانية الاصل ، تخرجت طبيبة بعلم النفس من جامعة برلين سنة ١٩١٣ ، ورُزقت من زواجها بادسكار هورناي بنات ثلاث ... ثم هاجرت مع عائلتها الى الولايات المتحدة ، واستوطنت نيويورك ، وما فتئت منذ عام ١٩٣٢ تلقي المحاضرات في الدراسات الاجتماعية والنفسية ، وهي الآن نائبة الرئيسة لـ Psychoanalysis University وعضوة عاملة في عدد من المنظمات التي تهدف الى رقي علم النفس الحديث .
ولكارين هورناي عدد من المؤلفات اهمها :
★
تقول المؤلفة في البحث عن اسباب الشذوذ العصي :
ليس من السهل استقصاء اسباب الشذوذ العصي في الناس . وانما هنالك اشارات ودلائل ، من شأنها ان تشير الى نواحي هذا الشذوذ ، كخروج الانسان في تصرفاته عن المعتاد ، ووقوعه فريسة الاعياء الشديد لدى اقل عمل يقوم به... وكلما تمكنت معرفتنا واتصالنا الوثيق بالناس ، واتسعت دراستنا لنفسياتهم وتصرفاتهم ، كان ذلك مساعداً على الوصول واياهم الى النتائج المتوخاة .
إن كثيراً من نشاط التربويين وعلماء النفس في الوقت الحاضر متجه بسعة وعمق لكشف النقاب عن اسرار هذا العلم والوصول الى حل هذه العقد النفسية والمنازعات العصبية التي تقلب طبيعة الانسان رأساً على عقب ، وتجعل منه عبداً مقيداً ، ينقاد لاواصرها بدون ارادة منه . ففرويد ، الذي يرد كل عمل يقوم به الانسان الى عامل جنسي ، ينظر الى هذه المشكلة نظرة متشائمة ولا يرى في شفائها كثيراً من الأمل . لكن المؤلفة اكثر تفاؤلاً ، فهي تأمل في الشفاء ، ما دام الانسان حياً ومستمراً في النمو .
والمعلوم ان لكل ظاهرة غريبة في سلوك الانسان سابقة او سوابق من الحوادث ، كان لها تأثير مباشر او غير مباشر على توجيهه هذا التوجيه الذي قد يصبح شاذاً ، ويأخذ على مر الزمان ، واحداً من مظاهر ثلاثة : التقرب من الناس ، معاداة الناس ، والفرار من الناس .
واذ تأتي المؤلفة على تعداد حالات الشذوذ العصي الشائعة في هذا العصر ، تشدد على هذه الانواع الثلاثة ، فتتحدث مفصلاً عن علائها ونتائجها لتسهل على القارئ مهمة استقصائها وتمييزها اينما وجدت .
فمن صفات الذين يتقربون من الناس ، انهم يشعرون بضعفهم وعجزهم فيلتمسون القوة عند اهلها . يمتثلون بين ايديهم ، معلنين طاعتهم التامة ، مستسلمين لارادة غيرهم من اقوياء الناس ، او
