من اجل هذا كان اهل هذه الفئة ، يحتجبون عن الاجتماعات العامة وعندهم استعداد كبير للحد من ألوان طعامهم وشرابهم ، والتضييق في معيشتهم بحيث تتضاءل الحاجة الى الاتصال بالناس وطلب معونتهم اياً كان نوعها ... فالمصاب بهذا الشذوذ يطلب العزلة ، وكل من يحاول ان يعكر عليه هذه العزلة فهو متطفل ، وكل سؤال يوجه اليه عن حياته الخاصة ، يُثير شديد غضبه . فهو ابداً محاط بهالة من الاسرار والمغلقات .
ومن طبيعة هذه الفئة انهم يتعشقون الظهور بمظهر التفوق فيميلون لكل ما هو مغاير لما يعمله الغير ، يهربون من الحب خوفاً مما قد يجرهم اليه كرهاً من رضوخ وطاعة . يعيشون في جو من الكبت العاطفي ، فيحرصون على الا يبوحوا لأحد بمكنونات نفوسهم ما استطاعوا الى ذلك سبيلاً ، فتبقى صلاتهم بالناس يكتنفها الغموض والشك .
★
يتضح لنا مما تقوله المؤلفة ، ان حالات الشذوذ العصبي التي تنتاب ناس هذا العصر معقدة بتعقد الحياة التي نحياها ، وكلما تعددت الاسباب التي من شأنها ان تنزل بالانسان وتخل بنظامه العصبي الطبيعي ، تعددت الحوادث الطارئة ، وتعددت حالات الشذوذ التي نحن بصدد الكلام عنها .
واذ تأتي المؤلفة على الكلام عن كيفية التخلص من هذه الحالات العصبية الشاذة تقول : « لا يقوم شفاء هذه الاعراض على تصميم عقلي واعٍ ، ولا باعمال ارادة المصاب في اتجاه معين ، وانما هنالك طريقة واحدة لا ثاني لها ، وهي ازالة الاسباب الاولية التي ادّت الى هذه الحالات ، ومحو أثرها من شخصية المصاب .
ولا يكفي ان يسلم الانسان ويعترف بوجود هذه الاغراض الشاذة في تصرفاته وفي تفكيره ، وانما المهم ان يتعاون مع الطبيب في العمل على احداث انقلاب في صميم شخصيته ، يقوم على نظام سيكولوجي خاص ... « ومن الخطأ ان نفكر » تقول المؤلفة « ان الشفاء من هذه الاعراض العصبية لا يأتي الا عن طريق المعالجة النفسية ، فكثيراً ما يُشفى المصاب شفاء طبيعياً نتيجة اقتدائه بمثال انساني كبير ، او احتكاكه المباشر بجماعة من الناس المخلصين ، او بتعرضه لكارثة مشتركة تجمعه بزمرة من المنكوبين مثله ... إن حالات طارئة طبيعية كهذه ، من شأنها ان تزيل الاسباب الرئيسية التي احدثت هذا الشذوذ ، وبالتالي ، ان تمحو اعراضة محواً تاماً ، فيعود المصاب ، سعيداً معافى الاعصاب .
وتخلص المؤلفة الى القول : ان سلامة اعصابنا انما تقاس بما لنا من مناعة اجتماعية ، فكلما كانت علاقاتنا بالناس علاقة سليمة موزونة ، كنا أبعد عن الوقوع فريسة لهذه الامراض . فالمجتمع العالمي كبير واسع ، وليس في استطاعة الانسان منا ان يعيش حياة طبيعية دون
ان يتعامل مع مختلف طبقات الناس واجناسهم ، فحريٌ بهذا الانسان ان يحرص على ان تكون صلاته الاجتماعية مبنية على المحبة والتفاهم ، لا على الانحراف والتطرف .
★
ان كتاب « منازعاتنا الداخلية » لكارين هورناي ، هو دراسة نفسية عميقة حول احد العلوم المستحدثة في هذا العصر ويُعد في طليعة المؤلفات العلمية التي عالجت هذا الموضوع على ضوء التحليل النفسي والتجارب العلمية ، وهو بعد ثمرة جهاد طويل حاولت فيه المؤلفة الكشف عن اسباب الغموض والشذوذ العصبي الذي يكاد يكون ظاهرة قوية من ظواهر القرن العشرين .
ولا اقول إن الكتاب سهل وسلس الاسلوب ، فهو لم يكتب للعامة ولا للتسلية البريئة ، وانما كتب للطبقة الراقية التي يهمها الالمام بكل مستحدث من العلوم ، وان مطالعته ترمي ضوءاً على كثير من الغموض في تفهم طبائع الناس واسباب تصرفاتهم الشاذة وسلوكهم المنحرف .