
( بقية المنشور على الصفحة ٢٣ )
ولما حان موعد الغداء عدت الى البيت وترددت كثيراً قبل ان أدخله وتساءلت ترى ماذا تعمل هي الآن ؟ هل لا تزال سادرة في مكانها ام ذهبت الى اهلها ؟ وأدرت المفتاح في الباب ثم دخلت كاللص ، فاذا البيت على أحسن ترتيب ، الازهار نضرة منسقة في آنيتها وكل شيء يلمع : الارض ، الجدران ، زجاج النوافذ ، المرايا . يا لها من جنية كيف استطاعت ان تنجز كل ذلك وليس لدينا خادم وهي على ما هي عليه من الحزن والقلق والاضطراب ؟ ماذا ترمي يا ترى من وراء هذا كله ؟ أمن اجل ان تثبت لغريمتها انها سيدة بيت من الطراز الاول ؟ وبهت عندما رأيت حقيبتين كبيرتين في المدخل ثم برزت هي امامي وقد ارتدت البستها الكاملة ، كانت لا تزال شاحبة الوجه مكدودة العينين ، وارتج على امامها ثم قالت بصوت خفيض دون ان تنظر الي : هل تسمح فتوصلني بسيارتك الى بيت اهلي ؟ فأجبت بصوت واجف : كما تريدين ثم نظرت الى الحقيبتين ونظرت الي وقالت : أتحملهما انت ام احملهما انا ؟ قلت متلعثماً ، بل احملهما انا . وحملت الحقيبتين الثقيلتين ووضعتهما في صندوق السيارة وأنا اقول في نفسي : يا الهي ، أهذا اليسر يتم كل شيء بيننا ؟
ثم أطبقت باب البيت بتؤدة وشملته جميعه بنظرة كأنها تودعه الوداع الاخير ثم سارت منكسة الرأس حتى السيارة ، وفتحت بابها وجلست في المقعد الخلفي على غير عادتها . وهممت ان أدعوها الى جانبي ولكن أليست دعوتي اياها هي السخف بعينه .
وأدرت مقود السيارة ويداي
تضطربان فاذا هي تهتف بي قائلة ، قف قف بربك ، لقد نسيت ، نسيت ان اغلق نوافذ غرفة الاستقبال والشمس ستتلف الستائر الزرق . فاوقفت السيارة وعادت هي لتغلق النوافذ واسندت رأسي المتعب الى المقود وأغمضت عيني وأخذت اقول في نفسي :
يا مسكينة ، ما لك وللستائر الزرق أتلفتها الشمس ام لم تتلفها ، انت تعلمين جيداً انها لم تعد لك بل ستصبح عما قريب ملكاً لغريمة لك . وتذكرت كم جابت الاسواق عندما اشترت هذه الستائر حتى وفقت الى لونها الازرق النادر ، وكم امضت من الايام مكبة تطرز اطرافها وتخيط حواشيها . لم يدخل بيتنا احد قط الا امتدح هذه الستائر والذوق الذي اختارها ويد الصناع التي طرزتها ، أنت أم ابنتها المسكينة ، انت ام هذا البيت ، انت أنشأته وانت رعيته وانت تريدينه سليما محفوظاً من الاذى كما تريد الام وليدها ولو كان في حوزة غيرها . يا لي من قاس صخري القلب ، كيف استطيع ان احرمك من هذا كله ، آه ليتك كنت تنجبين اطفالاً . ولاح في مخيلتي على الفور طيف الصبية ذات العشرين عاما وهي تنثني وتضحك وتنظر الي بخبث وكأنها تقول : أحقاً من اجل الاطفال تتركها ام من اجلي انا ؟
ووجدتني اقفز من السيارة فأقطع الحديقة بخطوتين ثم ادفع الباب فاصطدم بها وجهاً لوجه خلف الباب ثم أمسك يدها فأسحبها الى داخل البيت وانا أقول لها : أليس من الخير يا عزيزتي ان تبقى هنا تعتني بستائرك الزرق . وفهمت مارميت اليه فتهالكت على اول مقعد رأته وانفجرت باكية . ان اعصابها القوية التي استطاعت ان تتغلب على دموع القهر ، لم تستطع التغلب على دموع الفرح .
ووجدتها اجثو على ركبتي امامها واقبل يديها ثم امد يدي الى جيبي فأتناول الخاتم الماسي من العلبة المخملية فاضعه في اصبعها فضمت رأسي اليها وأخذت دموعها تتناثر حارة على وجهي . لقد شعرت براحة عظيمة كأن حملا ثقيلا أزيح عن كاهلي ، او كأني غريق قد صارع الامواج والانواء فلما انتهى الى شاطئ السلامة أركن الى الراحة . فليكن هذا سحراً يا صاحبي اني راض به مطمئن اليه لا أرضى به فكاكاً كأنما ما كان .