الله أكبر . صلاة تنطلق من الوف الحناجر في قوة وإيمان أمام الإنسان ، وفي اتضاع وخشوع أمام الديان . الله أكبر من الآلهة المنحوتة أوثاناً في الحجر والرخام . الله أكبر من الملوك كل الملوك ، وأكبر من الطغاة كل الطغاة ، أكبر من القياصرة والأكاسرة . الله أكبر من المال والكبرياء ، من الحسب والنسب ، من السيف والظلم ، من الشهوة والأثم ، الله أكبر من الجاهلية كل الجاهلية ، مهما اشتدت واستعدت وامتدت ، الله وما ينطوي تحت اسمه من معاني الخير والفضيلة من الحب والجمال ، هو أكبر من كل القوى المادية التي تصول صولة الباطل ، ثم لا تلبث أن تتلاشى هباء أمام حقيقة الله الواحد .
هذه الصلاة القصية في مبناها البعيدة المدى في مرماها ومعناها ، تنطلق من حناجر الوف الناس ، جاءوا من جهات المعمور الأربع ، وقد اختلفت وجوههم وتعددت ألسنتهم ، فارتدوا لباساً واحداً هو أبسط لباس ممكن ، وراحوا يرددون بقلب واحد ولسان واحد : الله أكبر . فإذا رسالة التوحيد تتم في الجوهر والمظهر على السواء .
يقول الفيلسوف الفرنسي بيرغسون وهو من الفلاسفة الروحيين المؤمنين بالله : لا بد لكل دين من شعائر وطقوس . فالبشر على العموم لا يستطيعون الخلوص لله دون أن يرافق ذلك حركات وسكنات تتجسد فيها العقائد ، ويتغذى بها الإيمان ، وما الصلاة والصوم حسب نظم وقواعد ومواعيد إلا من هذا القبيل . وأني إذ أستعرض شعائر الإسلام وطقوسه ، أجد الحج وهو الركن الخامس ، عظيماً بين هذه الشعائر والطقوس ، جم الأثر في تأدية رسالة الدين ، أي في تهذيب الناس روحياً وتثقيفهم اجتماعياً ، أي لإسعادهم في الآخرة والأولى .
إن الحج قبل كل شيء غاية صعبة المنال فليس هو في متناول كل مسلم كالصوم والصلاة . إنه محفوف بالمشقة لاسيما يوم كان
يُسعى إليه على ظهور الجمال وهو يتطلب تكاليف . أي أنه وقف على المسلم المكافح المنافح ، وممنوع على القاعد الخامل . فعلى من شاء أن يتمتع بنعمه ، وأن يرى عن كثب القبلة التي يتوجه إليها كل يوم في صلاته وأن يجاور مهبط الوحي ، عليه أن يضرب في الأرض ويجني رزقاً حلالاً يوفر له نفقات الرحلة المباركة .
ويكون في الوقت نفسه من قوة الشكيمة والعزيمة بحيث يتحمل مشاق السفر ومخاطره .
ثم يأتي السعي بين الصفا والمروة سبع مرات ، فيذكر الحاج بطريقة عملية أن سيدتنا هاجر ما كانت لتعثر على الماء لتنقع غلة طفلها إسماعيل ، لو قعدت تندب حظها وتيأس من وجود الماء . يذكر أن في الحركة بركة ، وأن الهمة تنتصر في أحرج الأوقات وعلى أسوأ الظروف .
وفي رجم إبليس بالجمرات السبع رمز رائع . فيا أيها المسلم ليس يكفيك أن تلعن إبليس وتهرب منه ، بل عليك أن تشنها عليه حرباً شعواء وتحس من نفسك القدرة على تحديه وضربه ، مرة واثنتين وسبعاً إذا لزم الأمر ، حتى تقضي عليه ، أي على الرذيلة والشهوة والسفه أي على كل ما ينغص صفو هذه الحياة ويشوه جمالها وانسجامها .
أما الإحرام ، فما أروعه شعاراً تبلغ فيه الإنسانية حدها الأقصى . بالإحرام يخلع الحجيج ملابسهم التي ألفوها ، وكأنهم يخلعون عنهم أدرانهم وخطاياهم ، يخلعون اليسر والبذخ والترف ، ويرتدون التقشف والشظف قماشاً أبيض رمزاً للطهارة ، بسيطاً غير مخيط لا أثر للصنعة والزخرف فيه ، ويبدون جميعاً أغنياء وفقراء ، أمراء وصعاليك ، بيضاً وصفراً وسوداً ، عرباً وتتاراً ، رجالاً ونساءً سواسية كأسنان المشط ، ويتعلمون بالمحسوس أنهم هكذا خلقوا وأنهم هكذا أمام الله ، ليس لأحد فضل على الآخر بحسبه أو نسبه ، حريره أو مخمله ، وإنما الفضل بالتقوى والعمل الصالح ، وأن الإحرام هو بمثابة تمرين عام على يوم