



... منذ حين ، لملمت شمس جبالنا غلالتها النارية الشفافة بكسل ... ولم تلبث طلائع العتمة ان بدأت تدب دبيبها البطيء الى الوادي الوادع يرافقها في سيرها ضباب رمادي يغمر شجرات الصنوبر واحدة واحدة ... فاذا الوادي العميق والجبل المنفلت على المدى ، خضرة وظلال ... ظلال وخضرة ..
وانا على فم الوادي تحت صنوبرة محايدة اتملى من الغروب الكئيب ، جامدة كصخرة بين الصخور ، لولا رفيف هدبيّ المتعبتين بين حين وحين ..
من زمان وهذه القمم الخضراء في لبنان مقصد اهل المخيمات ومحط رحالهم ، ينتقون اكثرها شموخاً واغناها خضرة وينشرون خيامهم السمراء في آفاقها الرحبة فاذا الدنيا كلها رابضة عند اقدامهم وهم فوقها محلقون ... كالنسور ! ... واذا الدروب صبية وصبيات ، غدواً ورواحاً ... واذا الليالي نار وسمر ، وحناجر تنطلق مع الليل ، بعيدة وعميقة كالليل ! ..
ولبناننا سباق بين البلدان العربية
لممارسة الحياة الكشفية ، اقتبسها عن الغرب يقيناً منه بجميل فوائدها لنشئنا الطالع . ولا احسبني المؤرخة البارعة التي ستتناول هذه الحركة بالتفصيل ، رغم انها تستحق التفصيل . لا ، لن اتورط في هذه المحاولة الشائكة لئلا أحاسب

على عشرات الاخطاء ، وسأكتفي من الحكاية بمهمة الصحفي ، تحمله صدفة عابرة الى « وضع » ما ، فاذا هو فجأة ، وفي آخر حواسه ، منفعل بتأثير هذا «الوضع» واذا القلم بين يديه يسيل مسجلاً ما يستطيعه من هذه الانفعالات ..
غير اني اعرف ، على الاقل ، ان مخيمات الذكور شدّت اوتادها في ضلوع الجبال عشرات السنين ، قبل ان تتجرأ الفتيات حياء ووجلاً ، على التفوه بمثل هذه الرغبة !..
وتمت المخيمات الصيفية في جبالنا وكبرت ، شأن كل شيء يبدأ صغيراً ثم ينمو ويكبر ... واعرف ان للكشاف المسلم عندنا فروعاً نسوية راقية في بيروت وطرابلس وغيرها وانها اقامت في مرتفعات عيناب في الصيفيات الثلاث الاخيرة مخيمات ضمت الطالبات وغير الطالبات ، مارسن الحياة الكشفية مع الطبيعة في العراء ، وافدن : صحياً وتربوياً واجتماعياً ، فوائد لا تثمن .
واعرف ان في لبنان ايضاً مخيماً فريداً من نوعه يجمع ضمة مختلطة من اخوة واخوات واتراب ، اسس الصيف الماضي لذكرى وعلى اسم : الغزاوي ، الكشاف اللبناني الذي استشهد اثناء رحلة كشفية في اوربا .
اما مخيمات الجمعية المسيحية للشابات فهي ابعد تاريخاً وارسخ قدماً من سواها . تحت ظروف استثنائية واستطلاعية

