وجدتني هذا الصيف ضمن هذه المخيمات ، للمرة الاولى في حياتي ، فاذا انا آذان تنصت ، وعيون تراقب ... وقلب يخفق فتياً خفيفاً ، وكأنه كرّ راجعاً خمس عشرة سنة ! أليس حلواً ان تشعر فجأة ان خمس عشرة سنة محيت من عمرك ، فعدت من جديد بكر الاماني والاحلام طروباً ، همك الاوحد ... الدرس والامتحان مثلاً ؟؟
مع الآنسة ادما بيوض
ما ادري كيف نجيء على ذكر الجمعية المسيحية للشابات ولا يقفز في مخيلتنا على الفور اسم آنسة رافقت هذه المؤسسة منذ نشأتها ، وما تزال حتى الآن تسير دفة سفينتها بحكمة راجحة وقلب كبير حنون ، اعني الآنسة ادما بيوض .
جميل ان تراقب الآنسة بيوض اثناء عملها ، فهي لا تفتأ توجه وترشد دون ان تفرض كلمتها فرضاً ، مستمدة ارشاداتها من حاجة فتياتنا كلاً حسب بيئتها الخاصة وكأنها امامي الآن تحدثني بنبرتها الواثقة :
» ترى اية فائدة نجني من مخيماتنا اذا لم نهيء الفتيات لحياة استقلالية ذاتية ؟ هنا في هذا الجو المنطلق البعيد عن سطوة التقاليد ، تتلقن فتياتنا اولى دروس الاعتماد على النفس .. هنا تصقل المواهب
الفردية وتتعزز الامكانيات المكبوتة وتقوّى المعنويات الضعيفة - هذا عدا الفائدة الصحية التي لا تضاهى .
ثم إن لمخيماتنا عدة اهداف رئيسية اهمها تعويد الفتيات حب الاقبال ، ليس فقط على الخدمة العامة ، وانما ايضاً على خدمة انفسهن ، وعلى تبني فلسفة البساطة العملية في حياتهن اليومية ، فيتغلبن على صعوبات العيش ، ويقهرن المشاكل الطارئة ويعملن على حلها بانفسهن .
وبعبارة موجزة ، إننا نُعدّ الفتيات للزوجية الصحيحة وبنفس الوقت نسلحهن بمهنة يدوية شريفة تسعفهن للاستقلال وللتحرر المادي اذا دعت الحاجة . »
... مع فنجان قهوة ، على المقلب الشرقي من الجبل الاخضر ، كانت اذني تصغي الى حديث الآنسة ادما بيوض باهتمام بالغ ... وعيني على البنات خلف اعمالهن الصباحية ، حركة دائبة كتفير من النحل النشيط : بعضهن يمددن السفرة للفطور ، وفريق يرش الارض ، وآخر يكنس او يحرق النفايات بعيداً عن المخيم والقائدات في دورة تفتيشية على الخيام ، ليرفعن العلم اللبناني آخر الامر فوق ارتب خيمة ، مكافأة وتقديراً ...
وبين الحين والحين كانت الهتافات والاهاريج المرحة ، والاناشيد الوطنية ترتفع من هنا وهناك ... تتبعها كرّات ضحك ؟ .. أليست هذه السعادة البريئة في اجلى مظاهرها ؟
... أخذت آخر شفة من قهوتي واغمضت عيني لأنسى ماضيّ كله اذا شئت ، لأبقى تحت تأثير هذا الشعور اللطيف الذي استولى عليّ ... تاركة قلبي يخفق خفيفاً فتياً كقلوب هؤلاء الفتيات .





