
« عندما جاء سامي ، اهملت تربيته »
كانت الوالدة تستشيرني باهتمام ، في قضية ابنها البالغ من العمر ثماني سنوات ؛ انه الرابع ، بين اخوة بالغين ، في عائلة متوسطة الحال ، مادياً وفكرياً . وتابعت الام كلامها : « انه يميل الى الوحدة ، ويلعب وقتاً طويلاً في الحديقة مع كلبه ، دون ان يفكر بالركض مع رفاقه ، وهو حساس للغاية ، فأقل انتقاد يزعجه ، وليس عنده اصحاب بينما كان المنزل يعجّ بالاولاد حين كان اخوته في مثل عمره . أكاد لا افهم هذا الولد » .
ان العائلة التي ربي فيها الاخوة ، أنشأت سامي ، لكنه يحس باختلاف بينه وبين سائر الاولاد ، والواقع ان الاهل يتغيرون كلما تقدمت بهم الايام ، وقد يكون هذا التغير للاحسن اذ يرتاحون ويخففون من سلطتهم كما ان الاختبار يقنعهم بقدرة ابنائهم على حل مشاكلهم . لقد علمهم الاختبار ان الاعتناء الزائد يفقد الولد
الاستقلال الذاتي ، الذي يحتاجه اذا اراد ان يكون شخصية فعّالة ؛ وفي بعض الاحيان يمنح الاهل « طفل » العائلة وقتاً اكثر ، فيساعدونه في اعماله ودروسه ، ولذا نرى ان اقدر الفنانين كانوا صغار عائلاتهم .
لكن ، هذا التغير لا يكون دائماً نحو التحسن ، فلننظر الى سامي مثلاً ؛ ان والدته بقيت توجه اليه كثير اهتمامها ، فلم تترك له مجالاً لتنمو شخصيته كاخوته ؛ فكرت بانه آخر طفل في البيت ، وهي تعبد الطفولة ، لانها احست بسرعة نمو الاولاد ، وهجرهم المنزل للتسلية مع الرفاق ، او الذهاب الى المدرسة ، فتمسكت به لتبقيه « طفلاً » ما امكنها ، فاذا هي تدافع عنه
اذا تخاصم مع الاولاد ، وتشجعه بتأييدها وتقديم كل مطالبه ، حتى اعتاد الا يصدّ خاطره او ترفض له بغية ، فنمت فيه الاتكالية التي ابعدته عن اترابه ، وألصقته بالمنزل الذي يحميه ويؤدي رغباته .
الى هذه الاسباب يرجع تأخر « طفل » البيت ، وعجزه عن مواجهة العالم خارج منزله ، فيبقى حملاً ثقيلاً على كاهل اخوته ، بعد وفاة والديه ، وان حصل على علوم تفوق علومهم . فهم يجدون انفسهم ابداً مسؤولين عن تخليصه من مواقف حرجه ، كما فعل والداهما من قبل اذ يرقب دوماً هذه المساعدة ؛
وجوابي على سؤال أم سامي في كيفية علاج هذا الموقف ، كان : احذري الحماية الزائدة ، انه جميل ان يحصل الصغير على محبة اخوته ووالديه ، فالحب والعطف لا يضرّان في اي حال ، لكن يجب ان تفكري بأن عليه ان يصارع لاجل حياته في المستقبل ، فلا تعوّديه ان
يتكل على اخوته مطلقاً ، واتخذي الخطة التي نهجتها في تربيتهم ، اي ان تكون العدالة ، لا المفاضلة حكمك في تسوية المنازعات ، والفتي نظره للاقتداء بأخيه او اخته لاثارة شوقه وحماسه . لا تؤجلي شيئاً من هذا معتقدة بانه ما يزال الطفل المدلل ، لانك ستدفعين الثمن باهظاً في النهاية .
اذا احست الام بالدلّ الزائد في تربية ولدها ، يمكنها ان تغير مسلكها معه ، دون ان يتألم . ولكن هل يعني ذلك بان تنقص حبها له ؟ بالعكس . احببه كاخوته ، بطريقة تسيره نحو التقدم ، وإزالة العوائق من سبيله .
