كل ما عرفته عن الاميركيين حين كنت في الشرق العربي هو كثرة اموالهم وسياراتهم واناقة ملابسهم . ولكن بعدما جئت الى الولايات المتحدة تعرفت على ناحية ثانية من طبائعهم ينفردون بها وهي محاولة التخفيف عن الحياة او تخفيف وقائع الحياة على من يسمعها ، مفرحة كانت ام مؤلمة . مثلاً اذا صادق فتى وفتاة وتدرجت ببيها الصداقة الى حب وغرام ، لا عجب ان تفاجىء الفتاة صديقها بقولها : « متى يمكنني تغيير اسمي الى اسمك ؟ » دون تردد او حياء . او ان يقول لها : « ما رأيك في ان نباشر حياتنا الزوجية بعد اسبوع ؟ » .
اذكر اني لما كنت في العراق وسوريا ، كنت انا وصديقاتي نرتدي اجمل ملابسنا يوم الاحد ونذهب الى الكنيسة وبعد ذلك نتفق الوقت في الزيارات . اما هنا فان اكثر الناس ينفقون يوم الاحد بين النوم واليقظة . والذين ينهضون من الفراش يلبسون اقدم ما عندهم واكثر الرجال يستغنون عن الحلاقة في ذاك اليوم لانهم يريدونه للراحة التامة المطلقة عن كل قيد .
وما اكثر الصيدليات وما اكثر تنوع زبائنها ! تجدها جميعاً مزدحمة بالزبائن ليلاً ونهاراً ، غاصة بالنساء والرجال والبنات والصبيان من مختلف الاعمار والاعراق . ولا يبعد ان تجد رجلاً طاعناً في السن جالساً ينتظر بجانب فتاة لم تبلغ الثالثة بعد . واذا ضاق بهم محل الانتظار وقفوا صفوفاً ينتظرون من غير ملل . وانك ترى صفوف الانتظار هذه امام شبابيك التذاكر وفي محطات السكك الحديدية وخارج دور السينما وغيرها . واذا تأملت تنوع هيئات المنتظرين واختلاف ازيائهم عرفت ان الحياة في الولايات المتحدة تمتاز بروح التساهل والتسامح الى حد بعيد .
كنت اظن ايضاً ان اهل هذه البلاد يجيدون العلم والصراحة في القول . لذلك اذا اتفق ان سألني احدهم سؤالاً بادرت للجواب مبينة كل ما اعرفه في الموضوع واذا جادلني استرسلت في الرد والمناقشة وبالغت في دعم آرائي حتى يظهر لي خطأي . مثلاً اذا سُئلت « ما عاصمة العراق ؟ » اجبت بدون تردد : « بغداد » . لكن تسرعي هذا انتج لي ما اكرهه لأني لاحظت نقصاً في عدد اصدقائي وتكاثر الغمزات من ورائي وازدادت حيرتي لأن قسماً كبيراً من زملائي كرروا علي باني ذكية ! .







