- اتحمل شيئاً من المنوعات ؟
سؤال على الهامش يسأله مفتش الجمارك لكل مسافر وهو يطوف متمماً اجراءات السفر الرسمية قبل ان يأخذ مكانه على ظهر السفينة .
- لا .. ويمضي المسافر ..
وسألني الموظف سؤاله التقليدي كما سأل غيري ومررنا جميعاً بسلام غير اننا استدرنا لما سمعناه يأمر احدى النساء بالوقوف ليجري تفتيشها .
كانت شقراء جميلة على ابواب العشرين لا يحتاج المرء لاعمال فراسته ليدرك انها من الفنانات اللواتي يعملن في الفرق الفنية الكثيرة الوافدة على الجزيرة .
وانتالت احتجاجاتها بلغة انكليزية تلفظها بلكنة المانية .
ولم يبال ضابط الجمرك بثورتها بل سلمها لامرأة تقوم بتفتيشها ...
واكتفيت من المشهد بهذا القدر وهبطت الى الزورق الذي حملني الى السفينة التي ستبحر بي من لياسول الى بيروت .
كان الوقت عصراً .. وانزويت على نفسي في قمرتي اقطع الوقت بالقراءة حتى اذا كان المساء صعدت اتمشى على ظهر السفينة .. وكانت الظلمة قد حلّت الا تلك الاضواء المنبعثة من القمرات ..
اما المسافرون فاجتمعوا في الصالون يلعبون الورق ، وتحلق بعضهم حول فرقة الجاز يرقصون ويصخبون .
واتكأت على حافة السفينة فترة والقيت بصري الى تحت ارقب فورة الزبد التي تتكسر على جسم الباخرة الضخمة .. ثم مللت الوقوف فرحت اتمشى الى الطرف الثاني من السفينة حين استوقفني شبح يسند رأسه الى الجدار الخشبي .. وحدقت قليلاً فرأيت الفنانة الالمانية الشقراء تبكي ..
وحيرني امرها كما حرت في امري .. هل اتجاهلها وامضي لا ألوي على شيء ؟ هل أتحشر بها ؟ .. ولو لم اكن على ثقة من انها ستقبل تدخلي ؟ .. هل ؟ .. وخطوت خطوة الى الامام غير انني توقفت اذ شعرت بشفقة غريبة نحوها ورأيتني ملزمة ان افعل لها شيئاً .. واقتربت منها ففتحت عينين كبيرتين تتلألأ فيها الدموع وقالت ...
- ماذا تريدين ؟
- اجبت بارتباك .. لا . لا .. كلا .. أمن شيء .. انت .. انت تبكين ؟ أليس كذلك ؟
قالت - اجل انا ابكي - أهذا من شأنك ؟
قلت لا . طبعاً لا .. ولكنني لا أطيق ان ارى احداً يبكي .
وادارت وجهها وظلت على بكائها وتجمدت في مكاني كالبلهاء انتظر .. ثم رأيتني اتقدم منها اكثر فارفع اليها يدي وفيها منديل .. ثم اناولها لفيفة اخذتها وجذبت منها بعصبية انفاساً طويلة وقالت ..
- وما لك انت بهذا ..
- قلت لا شيء .. واجب انساني لا اكثر ..
وضحكت ضحكة ساخرة حيرتني وقالت ..
- ايه .. لقد نسيت ان في قواميس الناس كلمة يسمونها الانسانية .. واجب انساني هيه ؟
وضحكت مرة اخرى ..
غير اني تمالكت نفسي وعدت اسألها ...
- أثمة مشكلة اعترضتك في الجمرك ؟
وسكتت واعدت سؤالي ..
فردت بحدة
- انت فضولية .. اذن فاسمعي .. اجل لقد طار كل ما لدي .. اخذوها مني .. اربعمئة
ليرة ذهبية .
- ولم تورطت بحملها .. ؟
- قالت لقد دفعتني الى ذلك ( جيني ) احدى فتيات الفرقة الايطاليات .. قالت انها طالما حملت ذهباً في سفراتها وان بعض الملاطفة لضباط الجمرك كفيلة بتسوية الامر والسكوت عن التهريب ولكن جرت الامور بعكس ما اشتهيت فاستولوا على المبلغ .. وكادوا ان يمنعوني من السفر لولا استنجاد مدير الفرقة بواحد من ذوي الشأن في البلد ..
ولم اعلق على الخبر فثارت هذه وصاحت بعصبية :
- مالك لا تقولين شيئاً .. لعلك كالاخرين تؤمنين بان المال يجري كالماء بين اصابعنا ناله دون تعب ومجهود .. او اننا نغترف الذهب من مناجم .. او ..
- انا لم اقل شيئاً من هذا .

