وثابت الى هدوءها لحظات ثم عاد الدمع يغسل عينيها . ولاحت لنا امرأة تخطو نحونا فنهضت هذه بعصبية وصاحت بها ..
- ما لك .. اغربي عني يا وجه النحس .
وكان جواب الاخرى على ثورة هذه ضحكة عالية رخيصة .
والتفتت المرأة نحوي تقول .. هذه جيني .. احقر من عرفت على وجه الارض .. ايطالية بؤرة عفن .. اني مؤمنة بانها دفعتني الى حمل الليرات لتوقعني في الفخ .. فهي غيورة .. اشدهن غيرة ..
وسألتها - أليست زميلتك .
- زميلتي ؟ ها اجل انها زميلتي . هذه الفرقة انها اعجوبة الاعاجيب .. بما تضم من نماذج بشرية .. لقد ادركت اخيراً انني تورطت بالتحاقي بها .. كان اجدى علي ان اظل في المانيا واعاني ما تعانيه جدتي واخي كارل .. وذلك الفتى الذي كان صديقي ..
- ولم تركتهم .. ؟
- وفتحت عينيها الشهلاوين على سعتها واجابت .
- لا لن ازعم لك انها حمى الفن كما تقول كل نساء الفرقة ولن اقول انها خديعة رجل اغلقت امامي ابواب الحياة الا هذا الباب . لا فهذه حكاية تحفظها كل منهن عن ظهر قلب .. وقليلات قليلات فقط يعترفن بان الفاقة والعوز دفعهن الى هذا المصير .. ان الدافع لابسط واقوى من هذا كله . كان لا بد لنا ان ناكل .. جدتي وكارل وانا .. والا تصورنا كما يتصور الآلاف غيرنا . ولم تحتمل معدتي الجوع .
وكادت قدماي تتمزقان بلا حذاء ..
وكنا نأوى الى منزل له من اشكال المنار جدران متداعية وسقف خلفت فيه قنابل الحرب اكثر من فجوة . فكانت جدتي عجوزاً واخي صغيراً مستقيماً يجهل كيف يسرق الطعام من معسكرات الجيش الاميركي .. فلم يكن الاي . وماذا ياترى يراد مني ان اكون ؟؟ لم يكن امامي وامام العشرات الا هذا المصير نتهالك عليه باسم الفن واي فن .. وتعاقدت مع (برونو) الايطالي مدير الفرقة وطفت مع فرقته اليونان وتركيا ومصر وقبرص وكل مكان ... وهاءنذا ... قيل لي في باديء الامر ستثرين .. عام .. عامان - او هكذا وترجعين بثروة .. وها قد صار لي عام ونصف وليس لدي الا الملابس المقيتة الكثيرة التي لا ادري ما افعل بها .. ليس الكل على شاكلتي طبعاً .. فغيري تنوء ايديهن بالمصوغات والحلى وتنتفخ جيوبهن بالعملة .. قيل لي بانني حمقاء لا اتقن فنون الانتهازية . هكذا انا في نظرهم ولكنني في نظر نفسي انسانة تتمسك ببقية من كرامة تعف عن تنظيف جيوب كل خنزير تطوح به الظروف في دربها . كنت اولاً اتشاجر مع برونو حين يفرض علي سلوكاً معيناً مع واحد من هؤلاء العجائز الذين يمرغون انسانيتهم على اقدامنا .. كم كنت احتقرهم واشمئز منهم بلا مبالاة مني بتهديد برونو لي بالطرد .. كنت اعلم اني احسن وجوه الفرقة .. واول من يدير رؤوس زبائنه الحمقى ذوي العيون الحمراء والكروش المتدلية .. أليس هذا فظيعاً .. ؟
في هذا الوسط تفتحت لي الدنيا عن الشيء الكثير .. عن ألوان من الناس غريبة عرفت فيها نفوسهم عارية من تلك البراقع التي يجتهدون في اصطناعها .. اذ تفضحهم تلك اللحظات التي تركهم فيها طبائعهم فلا يبدون اكثر من
حيوانات .. في حظيرة كبيرة .
عرفت كل شيء - الا الثراء . وصحوت على هذه الحقيقة المخيفة ... ماذا وراء حياتي ؟ هل اخذت ثمن ما اعطيت ؟ لا . تجارة خاسرة انفقت بها كرامتي وصحتي ومعنوياتي .. وخرجت بلاشيء .. لا شيء مطلقاً الا حقداً على الحياة كبيراً
وسألت نفسي .. لم لا اكون كجيني بالوعة لا تشبع قط .. لم لا احيا بهذه النفسية عاماً او عامين او ثلاثة ثم اعود بثروة الى جدتي والى كارل الصغير . وابحث لي عن فتى احمق يرضى ان يربط مصيره بمصيري بعد ان طار مني الاول .
واصطدت ضحاياي . حمقى . عجائز . يتمسكون باهداب الشباب باصرار مضحك .. وكان آخرهم ثرياً اغرقني بكل ما اشتهي . ملابس . حلي . نقود . وفي شهرين فقط جمعت منه هذه الليرات الذهبية اللعينة .. اني تحملت لاجلها ثقله وبلادته واصراره في الا اتطلع الى غيره . كما تحمل هو مني احتقاري ونزواتي وامعاني في اذلاله .. وكنت اتذكر قصدي فارتجع وألين واهادن .
كان لا بد لي من ان اخرج بشيء . وانتهيت منه وحملت حصادي ثم تبعثر . وصودرت نقودي الى آخر ليرة . وبقيت فقيرة احمل شقائي الى كل مكان . والفظ دناءتي - اجل اذ صرت كالاخريات دنيئة - الى كل رجل . ما افظع هذا .. ما افظع ان اعود الى نقطة البدء وان احيا الى الابد حيوانة في هذه الحظيرة الكبيرة ...
وكف لسان المرأة عن الكلام وعادت دموعها تنبجس من عينيها وجسدها يرتعش بعصبية .. وحرت فيها اقول .. فكلمة مني لن تعيد الى هذه التعسة ايمانها بعدل الحياة .
