ولدت في الناصرة .. مدينة العذراء .. فمنحتها العذراء قبساً من طهرها .. وهكذا عاشت في الدنيا ومرت بكل مراحل الشباب .. ثم مضت وسمعتها نقية لم ينل منها نائل (1) .. وحتى عندما قالوا احبت واحبوها .. وكتبت وكتبوا لها فقد اجمعوا على ان حبها كان عذرياً روحانياً نقياً.
ونشأت في اعالي لبنان فمنحها الجبل الشاعر من شعره وسحره شاعرية وسحراً .. وهكذا كانت شاعرة باسلوبها القضي .. شاعرة باخلاصها لمن تصادق.
ونضجت وشبت في مصر .. فمنحها الوادي من حرارته حرارة في شرقيتها .. وحرارة في عقيدتها .. وحرارة في عواطفها العميقة ..
وهكذا تجمع في مي كل ما في الشرق من طهر وروحانية .. وسحر وشاعرية .. وحرارة ونضج ..
ولست لأتحدث اليوم مفصلاً عن مي الأديبة التي الفت وترجمت تسع كتب عدا ما لم يطبع وينشر .. ولا عن مي المثقفة التي التهمت آلاف الكتب وكونت ثقافتها من ٨٠٠ مجلد في مكتبتها الخاصة ومكتبة والدها .. ولا عن مي طالبة العلم التي احسنت سبع لغات الفت وترجمت في ثلاث منها .. ولا عن مي الرائدة أول من رفع رأس المرأة واقنع الرجال دون ما جهد بان المرأة لا تقل عن الرجل ذكاء والمعية .. ولا عن مي الخطيبة التي تميزت بقوة حجتها وجاذبية اسلوبها فكأنها تشد مستمعيها اليها شداً .. ولا عن مي المرأة التي وفت لأختها المرأة فالتفت الكتب عنها تشيد بقدرتها .. ولا عن مي الشرقية التي ابتدأت تؤلف بالفرنسية فنجحت ولكن شرقيتها تمردت عليها فاعادت دراسة لغة شرقها الحبيب حتى تمكنت منها والفت بها وافتخرت بانتسابها اليها .. لست لأتحدث اليوم مفصلاً عن كل هذه النواحي في امرأة ، ذلك لان كل ناحية منها تحتاج الى حديث كامل .. ثم لان الصحف والمجلات بحثت اكثر هذه النواحي ووفتها حقها .. ولكنني سأتحدث اليوم في يوم ذكرى وفاة مي عن مي الانثى وسأتحدث عنها حديث المرأة عن المرأة.
ولدت مي في أسرة كريمة فوالدتها من عائلة معمر من اسر
الناصرة المعروفة .. ووالدها الياس زيادة صحفي ذو مكانة .. وولدت في أسرة خيم عليها الوفاق. فوالدتها الأرثوذكسية ووالدها الماروني كوّنا أسرة لم يشقها التعصب المذهبي فعاشت مثالية هادئة .. وولدت في أسرة ظاهرة الثراء ففتحت عينيها على فرش وثير وخدم وهكذا لم تعرف العوز في حياتها .. وشبت جميلة وان كان جمالها لا يرتكز على القواعد المعروفة .. فقد كان في سمرتها من النعومة .. وفي عينيها من تألق الذكاء .. وفي خفة روحها وامتلاكها ناصية النكتة المصرية .. وفي سرعة خاطرها وحدة ذكائها .. كان في كل ذلك سحر جعلها فتنة لكل من جالسها. وعاشت مي، وهي تعرف ذلك في شخصها فلا عقدة نفسية تقلقها ولا تلهف على نقص يعذبها ..
وعاشت في ظل والدين احباها حب الوالدين لولدهما الوحيد قبل ان تنبغ .. فلما نبغت واعتزا بها ورفعا رأسيها بأنها والدا « مي » أضافا الى ولوع الوالدين بولدهما فخرهما الكثير به ..
وعاشت مي في كل هذا النعيم او ما يجب ان يكون نعيماً عيش الفتاة المدللة الهانئة حتى بدأ نجمها يلمع .. وحتى نالت ما لم تنله في العصر الحديث اديبة عربية .. وحتى احبها واعجب بها فطاحل ادباء العرب اينما حلت .. وكان من حقها وقد تجمعت كل هذه العوامل لها ان تكون سعيدة .. وكان من حق الدنيا عليها ان تكون شاكرة للدنيا وقد وهبتها الكثير .. ولكن مي شقيت وشقيت لا عندما انتهت تلك النهاية المحزنة فقط بل وفي كل حياتها ..
لقد كان مظهر مي ينم عن السعادة .. فضحكات رنانة وبسمات عريضة الى غير ما يبدو على هذا القناع الذي وراءه ما وراءه ولكن هذا القلم الذي ينفث المرارة قلم الاديبة الذي ينفث احاسيسه .. كان ينفث امر الاحاسيس فكأنه قلم كان يبكي ويحاول ان لا يرى الناس دموعه فاذا بها تسيل لتحتل ما بين السطور واذا به ينشج ليقول .. في استعداد كبير للشجن والالم .. او .. ان قطرة حزن في عمقها تساوي بحر سرور في اتساعه .. او كحديثها عن طائرها الحزين الذي كان يخفي رأسه بين جناحيه كل ما اقبل المساء وينشج .. الى غير ذلك كثير ..

