تتابعت هذه الصور في رأس وداد وهي مقبلة على تطريز ثوبها . وللمرة الثانية تخيلت يوم الزفاف وتراءت لها اسماء وبجانبها وفيق في بدلة العرس . فقالت في نفسها : انه شاب جميل الصورة ولطيف للغاية . حين ازور اسماء ينصرف بكليته الى محادثتي كأنني انا المقصودة في زيارته . لقد احسنت وداد الاختيار واني ارجو لها توفيقاً .
قالت هذا متنهدة لكن وصول والدتها قطع مجرى تفكيرها فرفعت رأسها وتوقفت هنيهة عن الشغل تريد بعض الراحة . لكن الوالدة اتجهت نحوها محاولة الاسراع في مشيتها فتميل جسمها الضخم ذات اليمين وذات الشمال . وجلست لاهثة واخذت في الحديث من غير ان تنتظر من بنتها سؤالاً :
« لقد انتهت استعدادات العرس . دخلت عليها فاذا هما تتناقشان في موضوع الجهاز . الأم تريد عرضه على الزائرات واسماء تأبى ذلك . ثم ان الفتاة تريد تقصير المنديل الابيض لينتهي عند العنق وتلح الأم على ان يكون طويلاً ينسحب وراء العروس ويمسك باطرافه ولدان صغيران . وفيما هما كذلك وصل وفيق متحمساً وفي يده رسالة فأخبرهما ان عمه المقيم في بلاد السودان منذ عشرين سنة والذي لا يعرف عنه شيئاً ارسل اليه برقية يسأله فيها الحضور اليه بسرعة لانه مريض في حالة خطرة . ثم اضاف قائلاً انه قرر تلبية طلب عمه لان العرس يمكن تأجيله اما الموت فلا ... ».
هنا توقفت ام وداد عن الكلام لتتنفس الصعداء ثم اردفت بقولها : « ... تصوري ان لا بد من تأجيل العرس الى وقت غير معلوم . ذلك صعب جداً ».
« صعب بلا شك ، قالت وداد ، كل شيء اصبح جاهزاً ... وانا اجتهد
في تطريز الفستان .. ارجو ان يسرع وفيق في العودة ... »
« انه مسافر اليوم من غير ابطاء ! » قالت الأم هذا وهرولت الى المطبخ اذ شعرت انها تأخرت في اعداد طعام الظهر .
وعلقت وداد فستانها في ناحية من الخزانة ، وللمرة الثانية اخذت تفكر في اعمال الصدف وتقلب الاحوال . تفكر في اسماء هل يطول انتظارها ، وما يكون شعورها ازاء هذا الحادث المفاجيء الغريب ... وفعلاً طال انتظار اسماء وصديقتها حتى ورد من وفيق كتاب يخبر بوفاة عمه وانه تسلم اشغاله هناك وقرر البقاء لمدة غير معلومة وهو لهذا ينوي فسخ خطبته ويترك لأسماء حرية الزواج بغيره . ويرسل اليها حوالة بالمبلغ الذي انفقته عليه ، مبيناً لها شديد اسفه راجياً منها قبول عذره .
عجبت وداد لتطور الحالة على هذه الصورة ، وزادت عجباً حين وردها بعد مدة قصيرة كتاب من وفيق يسألها فيه ان ترضى بالزواج به لانه ما احب سواها . وقد كان يريد الزواج باسماء لحاجته الى ثروتها . اما الان وقد اصاب ثروة وافرة بما ورثه من عمه فلم يبق هناك ما يرغمه على زواج لا يميل اليه . وسيعود قريباً الى مسقط رأسه ليقترن بوداد اذا نال موافقتها ...
لم يتعجب احد من الناس حين عاد وفيق المؤدب من السودان ليعقد قرانه على صديقة خطيبته . ولم يستغربوا موافقة وداد على هذا الزواج بل رأوا انها لو رفضت لظهرت بمظهر الغبية لان رفضها لن يعيده الى اسماء . وجلس بعضهم في احدى العشيات يتحدثون في الموضوع فقال احد الجالسين :
« لقد احسن وفيق صنعاً . لو كنت مكانه لما ترددت في التغيير فهذه افضل من تلك بكثير ».
وقالت احدى السامعات : « لقد ساعفه القدر ويسّره الله بعد عسر . مال كثير وزوجة جميلة ».
فأجابتها اخرى يجانبها : « للمرة الثانية تتولى الاقدار كشف النيات وتظهر خفايا الصدور وتخلص اسماء من زوج خائن . لو تزوجت اسماء هذا الفتى انظنين انها تعيش معه سعيدة ؟ ايمكنها ان تعيش طول حياتها سعيدة مع مثله ؟ »
فقالت الاخرى : « من يدري ؟ اذا كان يتقن التمثيل ! فهو يستطيع خداعها حتى النهاية ! ما اكثر الناس الذين يعيشون بالاوهام ويسعدون بالاحلام ! فاذا رفعت عن اعينهم اغشية الوهم عاشوا تعساء مقهورين ».
قال الذي روى لي القصة :
« لا ادري ما الذي حل باسماء بعد هذا ... علمت انها سافرت الى بلاد بعيدة ، تاركة امها وحيدة بائسة . ولا ادري هل عثرت على زوج لا يحسب الزواج صفقة تجارية ام انها لا تزال في غمرة الانتظار ! ... ».

