يسرني ان اوافي قراء « صوت المرأة » بين الفينة والفينة عن الاعمال الجليلة التي تقوم بها المرأة بنشاط وغيرة في مدينة حلب وقد اتضح لي بعد ان سكنتها مدة من الزمن، انها تزخر بالمحسنين والمحسنات، والمواطنين والمواطنات الصالحين والصالحات الذين تنبض قلوبهم بالعاطفة الانسانية وحب قومهم فيبذلون جهوداً جبارة للترفيه عن البؤساء واعدادهم ليكونوا ركائز ودعائم متينة في بناء صرح الامة السورية.
يطيب لي اليوم ان ابعث بكلمة عن « الجمعية الخيرية النسائية » بحلب التي ترأسها الآنسة الجليلة فائقة مدرس. وهذه المؤسسة تقوم ايضاً بادارة مدرسة الصنائع النسائية. وقد زرت هذه المؤسسة، واذا هي بناء كبير قديم على الطراز الشرقي، فسحة سماوية متسعة تتوسطها بركة ماء، وتصطف على جانبيها غرف عديدة معرضة للنور والهواء. وتحاول الآنسة مدرس الخروج بمؤسستها الى بناء حديث في وسط المدينة يستوفي جميع شروط الصحة والجمال. وان همة كهمتها لسوف تتغلب على جميع الصعوبات التي تقوم حائلة دون هذه الغاية. على ان الاهم ليس الصدقة بل اللؤلؤة المستقرة في داخلها.
ادخلتني المديرة الى غرفة الاستقبال انتظر قدوم الرئيسة التي لم يسبق لي ان تشرفت بمعرفتها، وما كدت استوي في مقعدي حتى دخلت الغرفة سيدة جليلة فوقفت احتراماً وقدمت لها نفسي ثم قلت: حضرتك الآنسة مدرس؟ « فاجابت بلباقة وبلهجة هي مزيج من المصرية والعراقية معاً »: « الآنسة فائقة تقصدين؟ لا لست اياها اني زائرة
مثلك ». ثم فهمت منها انها السيدة شهيرة عقيلة الاستاذ سعيد فهم مستشار الجامعة العربية وانها تقوم الان بزيارة للآنسة مدرس التي تربطها بها رابطة الصداقة والزمالة في الخدمات الاجتماعية النسائية. وحين علمت القصد من زيارتي هذه ابت عليها الامانة والواجب الا ان تقول: « أتعلمين من ستشاهدين؟.. » سيدة هي اولى السيدات في سوريا ولبنان اللواتي اسسن جمعيات نسائية خيرية اهتمت بالطبقات الشقية الكادحة من بنات جنسها. كان هذا منذ اربعة وثلاثين عاماً، حين لم يكن رجال او نساء يفكرون بمثل هذا العمل، وكانت هي يومئذ في عنفوان شبابها وجمالها، وهي كما تعلمين من عائلة مدرس التربة الوجيهة. ولكن حالة المرأة العامة التي انحطت الى دركات الشقاء اقضت مضجعها ولم تنعم براحة القلب الا بعد ان رغبت عن مطالبها الذاتية الانسانية، ونذرت نفسها لخدمة النساء التعيسات، نساء المدن اللواتي لم يكن لهن اراض يستغلانها ولا حرفة يكسبن بها لقمة شريفة فقد تركهن ازواجهن وذهبوا للحرب، وزحف على الاثر الجوع والمرض يفتكان بهن وباولادهن ».
وفيما انا مأخوذة بهذه الاخبار المشوقة واذ بسيدة تناهز العقد السادس من العمر تطل علينا بلباس محتشم ووجه بشوش وعينين يشعان نوراً وثقة بالنفس. انها الآنسة فائقة مدرس رئيسة الجمعية.

الثالثة من اليمين

