كما ان بعض افراد اسرتي اعترضوا علي من هذه الوجهة لانهم اعتقدوا ان مركز المعلمة عمل غير لائق بي ... ولكنني لم آبه لاقوال احد بل سرت في خطي قدماً. اضطررت ان آخذ رخصة اخرى بفتح مدرسة. ويوجد الآن في مؤسستنا ٢٧٠ تلميذة و٦٥ يتيمة وعلاوة عن المهن التي يتعلمنها فاننا نقدم تلميذات لفحوص الشهادة الابتدائية والكفاءة. ونرسل من نتسم فيهن المقدرة العلمية على متابعة الدروس العالية الى الجامعة السورية ليتخصصن في الطب والمحاماة وسواهما. وفي السنة الماضية ارسلنا ثلاث يتيات الى الجامعة.
قلت: وكيف يجمع المال اللازم؟
اجابت: لقد شرعت العمل متكلة على الله ونفسي لسنوات عديدة، وانضم الي عدد من السيدات الثريات في المدينة فكنا ندفع من جيوبنا ونجمع التبرعات من المؤسسات التجارية. كما ان هنالك اناساً يبعثون الينا ببعض المساعدات كنذور وعطايا.
ولم تنسنا وزارة المعارف فعينت لنا اربع معلمات على حسابها. وفي الآونة الاخيرة اخذنا نتعاون مع جمعية الاتحاد النسائي بحلب التي تهتم بتأمين الكساء لليتيات. كما ان ملجأ الفضيلة انضم الينا مؤخراً. وقد سعينا للاتفاق مع جمعية الاوقاف لتتمكن من القيام بهذه المهمة الكبيرة على الشكل الاتم. الا اننا لم نتمكن من التفاهم. ووجدنا انها كانت بادرة سابقة لأوانها. فعدلنا عن فكرتنا وتمسكت انا بالمشروع بعد ان هممت بتركه لانحراف صحتي».
طفت في ارجاء المدرسة الفسيحة اشاهد صفوف الصناعة والعلم وغرف المنامة والطعام فسرني النظام والنظافة والترتيب والاشغال اليدوية والزهور الاصطناعية التي تدعو الى الاعجاب والافتخار. وشاهدت الغرفة التي تنام فيها الآنسة فائقة للسهر على هذه الدور الغاليات على قلبها، نهاراً وليلاً، وبالرغم من ان بعض معلمات المدرسة ينمن هناك غير ان قلبها لا يرتاح دون ان ترعى هي بنفسها الجميع تاركة بيتها الخاص وسط البساتين والازهار. انها لا تأوى الى هذه «الفيلا» الا متى شعرت ان صحتها بحاجة شديدة للاستجمام والراحة.
فكرت بهذا العمل الصالح الذي تقوم به الآنسة فائقة وبهذه الخدمة الاجتماعية التي قدمتها لامتها ووطنها مدة تزيد عن ٣٤ سنة فتغلبت على العقبات الشائكة التي قامت بوجهها. وفكرت باليتيمات واللقيطات اللواتي خرجن من هذا المعهد واصبحن نساء مثقفات وربات بيوت، فكرت باليائسات اللواتي كان مصيرهن الشقاء والبؤس والتشرد، اية
مصيبة كن لانفسهن وليبئتهن لولم ينبض عرق حي في قلب آنسة فاضلة. فكرت وفكرت طويلاً ثم حانت مني التفاتة الى جدار الغرفة فوقع بصري على رسم كبير جميل لجان دارك تلك الفتاة الفرنسية التي اثارتها حرباً شعواء على جنود الانكليز الذين كانوا يدوسون مقدسات بلادها. وثم صرخت في داخلي: هذه جان دارك امامي بلحمها ودمها، هذه هي الفتاة التي أهب الله قلبها بحب الانسانية وابناء قومها، فأشعلتها حرباً على الجوع والمرض والامية ضاربة بالتقاليد عرض الحائط ومقدمة مالها وشبابها وصحتها ضحية حية مرضية امام الله والناس.
لقد اقامت الحكومة الفرنسية عيداً وطنياً تحتفل به سنوياً «لجان دارك» وادخلتها الكنيسة الكاثوليكية في عداد قديساتها. فهل للحكومة السورية ان تقدر «جان داركها» حق قدرها وهل لجمعية الاوقاف ان تبذل بسخاء وتطلق يد الآنسة مدرس بعد ان سطع اخلاصها في اخراج هذا المصنع من النفوس البشرية الى المكان وعلى الشكل اللذين يليقان به؟؟

