تجمعنا اليوم ذكرى الأديبة الكبيرة الغائبة عنا جسداً والماثلة امامنا روحاً. فآثارها خالدة واعمالها ظاهرة وآراؤها ناطقة بما ولده ذلك الدماغ العبقري الملهم الصادق بتأدية رسالته الفكرية والثقافية، الصريح في آرائه السياسية والاقتصادية، المخلص في واجباته الاجتماعية والانسانية.
وهل استطيع ببضع دقائق ان الم بجميع نواحي الراحلة الغالية وافيها حقها من التقدير والتكريم واحلل شخصية لها من قوة التوجيه ورقة التعبير ودقة التصوير فأعطت الكثير والكثير من ادب باهر وبيان ساحر ووعي ساهر رأى فتأثر وادرك فقدّر ونطق فنبه وانذر؟
وهل استطيع بلحظات خاطفة ان استعرض حياة الصديقة وما لها في نفسي من صور وذكريات؟ وهل يستطيع الكلام التعبير عما اشعر به من ألم عميق وأسف شديد؟ ولذا اجد نفسي عاجزة عن القيام بالواجب ضنينة بشعور له حرمته وكرامته اصوغه كلاماً واعرضه بضاعة للرثاء والندب والتأبين.
ولكن عجزي هذا تجاه فقيدتنا الكريمة لا يكبل صراحتي ولا يعقل لساني عن قول هو واجب اراه لزاماً علي فأقوم به وأوديه بكل امانة واخلاص.
اعتاد الناس في هذا الظرف ان يقيموا الحفلات احياء لذكرى وتخليداً لشخصيات وتقديراً لمواهب وكفاءات واقراراً بالجميل واعترافاً بالخدمات. فيقدسون القيم الروحية وينحنون امام القوى النفسية ويعظمون النبوغ والعبقرية ويكبرون التضحيات والخدمات ويعتبرونها قرباً رمزياً قدّمه الفقيد فداءً لوطن او عقيدة او مشروع او مبادئ آمن فيها وبشر.

ولنعد الى ذلك الميزان الذي به نزن المواهب والكفاءات وما قام به ذووها من خدمات وتضحيات فهل تساوى البذل والعطاء مع التقدير والثناء؟ وهل تعادلت التضحيات والهبات مع الوفاء والمكافآت؟ وهل انصف هذا الانسان الواهب
بسخاء فأعطي المكان اللائق به في الحياة فيشعر بارتياح نفساني اذ يرى الاصداء تتجاوب، والآفاق تتسع والاجواء تتفتح فتتجدد قواه وتتفجر ينابيع انتاجه وخيره فتسهل عليه التضحيات ويهون البذل ويلذ له الجود والعطاء اذ يعلم ان مجهوده لم يكن ضياعاً ولن يذهب هباء.
فلنكرم الكرماء على المجتمع في الحياة لا بعد الممات ولندفع آنياً ديناً علينا ولا نؤجله لما بعد الفوات. ولنؤد في عالم الاحياء ثمن ما استثمرناه من مواهب وابداع ولعمري هذا اقل الوفاء. ففقيدتنا الغالية اعطت المجتمع عصارة دماغها وفيض قلبها وهذا اثمن ما يملك الانسان في هذه الحياة. فأيقظت قوماً ووجهت جيلاً وتجندت للدفاع عن لغة هي اداة التفاهم وكل ما تبقى من رابطة بين امة كتب عليها التفرقة ووضع في وجهها السدود والحدود والعقبات.
فباسم الاتحاد النسائي العربي العام الذي يضم الاتحادات النسائية في الاقطار العربية انحني امام ذكرى الفقيدة الغالية التي سجلت صفحة لامعة في الأدب العربي تضيء سبل المخلصين العاملين لبناء مجتمع افضل وعالم اصلح. ففي ذمة التاريخ ما قدّمت وفي ذمة الله الكريم الذي لا يضيّع اجر من احسن عملاً انت اليوم ايتها الصديقة.
ابتهاج قدورة
