ما ان بلغني نعي الأديبة الكبيرة الراحلة حتى وجت للنبأ وجوماً وطفرت من مقلتي دمعة لوعة وأسى على شعلة انسانية انطفأت وركن متين من اركان الادب النسوي تلاشى وتهدم.
ان خسارة الأدب المعاصر في سلمى صائغ ، لا تعوض .

لقد خسرنا بفقدها سيدة جليلة القدر دمثة الاخلاق ، لينة العريكة ، وخسرنا بفقدها مواطنة واعية لقيمة وطنها ، مدركة لرسالته ، اغتربت عنه بضع ستين قلم يزدها ذلك الاغتراب الا حباً له وتعلقاً بتربته ودروبه وابنائه . كما اننا خسرنا فيها اديبة موفقة ، جريئة في قولة الحق ، ذات نظر ثاقب واحساس مرهف ، عملت منذ نشأتها بتفان واخلاص في سبيل خدمة مجتمعها والنهوض به ، وناضلت من اجل نصرة اختها المرأة نضالاً طويلاً ، كان تارة صامتاً وطوراً عنيفاً ، وسخّرت قلمها الذكي طيلة سني حياتها المبرورة للدفاع عن البائس والمظلوم والمحروم ، دفاعاً إنسانياً جليلاً ، ينم عن القلب الكبير الذي كان يرف بين جنباتها وعن الروح الطيبة التي تجلت في كل عمل قامت به أديبتنا الراحلة وكل حديث تفوهت به وكل اثر سجلته وسوف تخلده الأجيال العربية الصاعدة .
ان كتابها النفيس « صور وذكريات » لأكبر دليل على براعة اسلوبها وصدق لهجتها وسلامة طويتها . وان المقال الذي نشرته في مجلتنا العزيزة « صوت المرأة » لعام خلى ، والذي يحمل عنوان « صور لن تعود » آية من آيات الأدب التصويري الرائع ، بل انه آية من آيات الأدب الانساني الواقعي الذي يكفل لمن يصور عنه مثل هذا البيان المشرق الخلود على الأيام .
لقد ماتت سلمى صائغ قريرة العين بعد ان اثمرت الجهود التي بذلتها مع فريق من اخواتها اللبنانيات من اجل دفع المسؤولين الى الاعتراف بحقوق المرأة الكاملة . وماتت قريرة العين ايضاً ، بعد ان ادت رسالتها كأديبة واعية وام مثالية احسن اداء . غير ان روحها الطاهرة لن تبلى وذكراها الطيبة لن تموت .
بدأ اعجابي بسلمى ومحبتي لمقالتها « الامومة » ، التي كانت حدثاً ادبياً في وقتها ( عقيب الحرب الكبرى ) . احببت هذه المقالة ، لانها تعبر عن شعوري كأم .

ولعل هذه القطعة من القطع الفريدة في الادب العربي كله ، لا اقول ادبنا المعاصر ، ولا اقول الادب النسائي ، بل اشدد : « الادب العربي كله » التي تفصح باخلاص عن شعور حق ...
الميزة الاولى في ادب سلمى انها تكتب من « قلبها » لا من « عقلها » ولا من ثقافتها ( وكم كانت ثقافة سلمى كبيرة ! )
ولكنني احسب ان اعجابي بقطعة « الامومة » لا يدل على ان لها قيمة ادبية مطلقة مجردة : فانا ام وذاك هو شعوري ولكن ما قولك ان هذه القطعة اثارت اعجاب جبران خليل جبران ، الذي كان ناقداً صارماً جداً وما كان من السهل اثارة اعجابه وعلى رحابته ، يستقل التحذلق ، ولا يغتفره خصوصاً ان صدر عن قلم امرأة . وما حاجة المرأة للتحذلق الادبي ؟ وكان جبران يقول لي .. « قولي لسلمى لتكتب كل يوم سطراً واحداً من ذات شعورها ، فيتجمع لها في نهاية السنة ٣٦٥ سطراً خالداً » .
أجراس العيد
هللي يا اجراس العيد ، اهتفي عالياً ، وسبحي ملياً ، وليتعال صداك من اقصى هذه الجبال الى اقصاها ، حتى تدوي به اعماق المغاور واجواف الكهوف ..
هللي ايتها النواقيس ، بهدوء منقطع ، او بحدة متسارعة فصوتك ابداً حلو لذيذ ، وما رنينك سوى عاطفة الانسان القديم يسحب ضعفه ويحتمي في ظل الاله الكريم .
هللي ايتها الاجراس مساء وليلاً وباكراً سحراً ... شاركي المؤذنين المقيمين - مثلك - في القباب ، والصارخين - مثلك - بالناس الى طرح اثقالهم على اقدام الرحمن الرحيم .
امزجي رنينك بنشيدهم الوقور المهيب ، فلعل اصواتنا المتنافرة على الارض تتقارب وتتحد فوق الضباب وتعود الينا برداً وسلاماً .
سلمى صائغ
خسارة الادب المعاصر في سلمى صائغ سلمى الحفار الكزبري إعجابي بسلمى ومقالتها الأمومة حبوبة حداد