يعود تعارفنا الى ما قبل الحرب العالمية الاولى بقليل ، وقد استمعت اليها لأول مرة في مهرجان ادبي اقيم في نادي مدرسة الأحد في بيروت ، فراقني ماسمعت ، واعجبت بسلمى صائغ خطيبة فصيحة ذات سحر ورشاقة ولطف وجمال .
ثم مضت سنوات الحرب الاربع ، بفواجعها ونكباتها ، فاذا سلمى صائغ تقيم مع طفلتها ووحيدتها عايدة في بيت قريب من بيتنا ، وكانت دارها تحفل باهل الفضل والادب .
ثم مضت اعوام اخرى فزدت معرفة بها ولا سيما يوم شرفتنا بطبع كتابها « النسمات » وقد افرغت قلبها وروحها في تضاعيفه . ولا يسعني وانا اتذكر سلمى صائغ إلا القول انها قد فرضت احترامها ومحبتها لما كانت عليه من الوفاء والاخلاص ومكارم الاخلاق .
ثم لقد سبقت عصرها لأنها يوم كانت تخطب وتنادي بحرية المرأة وتطالب بحقوقها الكاملة ، لم يكن في الشرق العربي إلا قبضة من السيدات من هذا الرعيل الاول ، ففضل سلمى صائغ ، بالاضافة الى علمها الغزير وثقافتها المثمرة من شبابها الى الكهولة ، هو في كونها قد عبّرت قبل غيرها من بنات جنسها عن حاجاتهن ورغباتهن الوطنية ، فلما شب الجيل الذي جاء بعدها وجد نفسه بطبيعة الحال يتتلمذ لمبادئها ، وشعرت الكثيرات من الفتيات من غير اللواتي تلقين الدروس في صفوفها انهن تلميذات لها من طريق غير مباشر .
ولعلّ ابرز ما امتازت به فقيدتنا ، انها مع مطالبتها بحقوق المرأة لم تتخلَّ عن انوثتها لا في حياتها الخاصة ولا في كتاباتها ، فكنا نشعر دائماً ونحن حيال سلمى صائغ باننا حيال امرأة حق المرأة لا حيال امرأة مترجلة ! فهي من هذه الناحية مرهفة الاحساس الى حد كبير ،
وهذا الاحساس يضاعف اجرها في ما قاسته من التجارب حتى انها كانت تعلّم الشجاعة والصبر والى ذلك لم تكن لتخفي ما تكابده على خلّص الاصدقاء والصديقات ، اذ لا بدّ من شكوى الى ذي مروّة .
ثم لقد كانت سلمى الادبية تدرك في مرحلة الانبعاث التي وجدت فيها ، ان الاديب العربي مدعوّ الى ابداء الرأي الصحيح في شؤون البلاد والمجتمع ، فلم تكن اديبة الزهر والشمس والقمر والطبيعة وسائر مجالي الخيال ، بل لقد كانت اديبة الاحساس المتفجر ، الثائر على الظلم ، المطالب بالعدالة والمساواة . وان في الحادث المشؤوم الذي وقع لأمين الريحاني في عهد الانتداب وفي نفيه الى خارج لبنان واندفاع سلمى صائغ لمناهضة قرار النفي لأبلغ دليل على وطنيتها وشجاعتها ووقوفها امام سلطة الحاكم الذي كان بيده الحل والمصير !
وناحية اخرى لم اذكرها وهي ان سلمى صائغ هي من الاديبات القليلات اللواتي لهن الشأن المحترم في الوطن والمهجر معاً ، فقد اقامت في البرازيل

وقتاً ليس باليسير فعرفها مواطنوها هناك وغير المواطنين بما كانت عليه من ألمعية وذكاء ، وهكذا سجّلت في الوطنين ، المقيم والمغترب ، التفوق في الاخلاق وفي حسن التفكير وفي خدمة بني قومها اجمعين .
وبعد - فهذه تحية وفاء لا رثاء ، وكلمة حق وانصاف في فقيدة الادب العربي التي توارت عنا وتركت من بعدها الذكر الباقي .
رامز سركيس
موجة السرور الكبرى
لا شك ان الحياة هي للشباب الزاهر ، وان امة لا تغسل احزانها امواج السرور الكبرى ، لهي امة تمشي الى الفناء .
فأول ميزات الحياة وآخرها هي « الحياة » والحياة شيء غير الانكسار ، فالحيبة ، فالذل ، فالبكاء .
اجل اننا في حاجة وجيعة الى السرور والطرب . ولكن كيف نطرب وكل من حولنا يبكي . لقد تعالى بكاؤنا فغطى بنعيه كل اصوات الطبيعة الضاحكة حولنا دواماً .
فهذه السماء الزرقاء كعيون الاطفال المذهبة الشعور ، وهذه الشمس اللامعة ، والاشجار المخضلّة الى مديد من الأيام عديد ، وهذه الزرازير المصفرة في اعالي الصنوبر ، والطيور المنشدة فوق دوالي العنب واغصان التين ، والغدير المهمهم بين الأعشاب ، والشلال الصارخ فوق الصخور ، وامواج الهواء المهينمة في الغابات ، كل هذه تنشد انشودة الحياة زاهية طربة ، ونحن وحدنا نبكي .
سلمى صائغ