الميلاد هو عيد الرجاء المبني على ولادة الطفل الاله مرفوقاً بولادة السنة
الجديدة. ولقد حق القول فيه انه ربيع الروح، مثلما ندعو نيسان ربيع الطبيعة. فربيع الطبيعة هين الفهم جلي واضح؛ اما ليشعر المرء بربيع الروح فيلزمه اعلان وامل يسيران به دياجي ليل طويل، ومنظر شجر عار مقتم، وبياض ثلج يغطي الحقول... واثقاً بان السنة دارت دورتها، وان الظلال تقل استطالة عند تواريها، وان شمس الشتاء الباهتة آخذة في الصعود شيئاً فشيئاً، والجلد وان بقي معتماً، ففيه تصبو النفس الى الضياء وتعيد عيد الرجاء.
واذا تأملنا بزخرف الميلاد وزينته وجدناها رمزاً للأمل والطمأنينة. مثل الصنوبر؛ ذي الورق الدائم الخضرة، علامة الشباب وسط بياض الثلج القاحل؛ واشجار الآس والدبق البري يزينان شهبة الشتاء بحباتها الحمراء والبيضاء. وترتفع لهبات المواقد وتتراقص وهي تكسب القلوب دفئاً وحرارة، مبددة غموم الامطار والضباب. والمرح والعطف اللذان يعمان القلوب ويغمرانها في هذه الآونة من السنة ليسا سوى دلائل انتصار الانسان على الطبيعة، والمحبة على البغضاء.
مهادنة اخوية ــ تلك روح الميلاد التي تسري الى الحزازات الشخصية والعائلية، تتغلغل الى خصامات في صميم المنظمات والاحزاب المتباينة ضمن وطن واحد، تتسرب الى منازعات تفرض اجحافها الجماعي بين الدول التي وان تكلفت تضامناً، فهي باقية على عداواتها القديمة. ومع ذلك، فمن تحت الشحناء والحيف، يبيض ذلك الشعور الدائم الخضرة، الا وهي المحبة،

تذوب امامها ثلوج الآثار، وتتقلص ازاءها احقاد القلوب؛ لانه تكمن حتى في اقسى الخلائق، لواعج شوق الى ثقة الطفولة العذبة. فيعود الايمان، كل سنة مرة، خلال بضع ايام، ناشراً لواء المحبة.
لقد اصطلح المعيدون في فرنسا، كما في البلدان الجنوبية الاوروبية، على
توزيع الهدايا في ضحى يوم رأس السنة. اما في البلدان الانجلوسكسونية والشمالية، ففي الاسبوع قبل الميلاد، تغص الشوارع اللألاءة بالغادين والغاديات، ملتفعين وملتفعات، حمرهم الزمهرير بقرصه، وطيرهم الفرح باجنحته؛ رائحين وآتين، مثقلين باكداس الهدايا. وما احلاها فترة، تضيق بالكائن البشري انانيته، ويتوق لمرضاة غيره، اقله مرة في السنة، مرضاة صادقة حميمة، وكثيراً ما يسرف المرء بالانفاق، غير ما تمليه الحكمة والتدبير. ولكن المحبة تطفو فوق المادة، لان العطاء الجواد هو للانسان بمثابة ملاذ له، وسط مدنية انانية نفعية.
كم تروق لنا اشجار الميلاد! تنتفض الانوار فيها بآلاف الشموع. او اذا خشينا منها احتراقاً نستعيضها بفوانيس كهربائية صغيرة؛ زرقاء، حمراء وبيضاء. ثم تكشف الاضواء على ما لذ من الحلو وطاب؛ كستناء مجلدة بالسكر، وجوز تشرب القطر المجمد، لفت باوراق فضية. اشجار تشبكت اغصانها بخيوط لماعة اشبه «بشعور الملائكة» ونقطت خلاياها برُقع القطن المرشوش باسيد البوريك وكأنه الثلج فوقها؛ وسقى جذعها غيث من الهدايا ــ لكل هدية باسمه. ومن العوائد القديمة ان يضع الاطفال احذيتهم قرب الموقد، وعند الصباح يبكرون اليها بقمصان النوم ليجدوها ملأى بعطايا رجل الميلاد ولعمري انها لأطيب فرحة للأسرة في اعادة هذه المراسيم الساذجة الحلوة سنة تلو سنة.

لقد اصبحت حياتنا العصرية تنوء باعبائها حتى لضاق بنا
الوقت لنزفّ الى احبابنا اخلص ما تكنه قلوبنا. فهنالك اصدقاء واقارب وارتهم المشاغل عن ابصارنا. وهنالك اولاد العائلة المتزوجون وهم قاطنون في كُور بعيدة، وما الميلاد الا حلقة التآهم [...]


