الثلج المنتشر ، كل نبتة وفرع ، ودخل الى زينة جميلة ، يكسبها خيال الضباب الملمم اطيافه فوق الساحة وكأن مسته حورية شكسبيرية ليضفي سراباً غامضاً على المنحنيات جاعلها كابن العذراء في المذود ، وعلى الممرات ، وقد استحث خطاهم البرد ، كان يرى الجنود الانكليز والفرنسيين يتبادلون التحية فرحين ، وسط سكون اعجوبي لم تقاطعه طلقة واحدة من المدافع ، فكأن الاله مارس ، اله الحرب ، قد استحال محبوساً وادعاً .
ترى ما معنى الميلاد ؟ وما مغزاه العميق ؟ لماذا وضع الطفل الاله في مذود بين البقرة والاتان ؟ وكما يفسره الآن الذي يقول : انها كما تنتظر الارض الجديدة حرثاً حثيثاً ونباتاً بكراً كذلك للطفل رسالة البداية في نعمته الجديدة ، فلذا تتصاعد الصلوات من حناجر الكبار ، والمجوس ، واصحاب الجلالة والتعظيم ، خاشعة امام الطفل الاله ، ضارعة له كما للرجاء ... صلاة عبادة اضعف المخلوقات الذي هو بحاجة الى البقرة ، الى الاتان ، الى هرقل ، الى قيصر . لذا يبقى عيد الميلاد طي الغاز نفوسنا ، ان لم يكن اجملها .
وانه لحق . فأن اجلنا نظرة على هذا العالم ، وثبت القوة الغاشمة ، لأول وهلة الى اعيننا ، حتى لم يعد ينقصنا نوع من الطغي ، كبيراً كان ام صغيراً ، يستمد السطوة من حاشية او سوء اخلاق ، ظناً انه يفرض قانوناً من حديد . ولكن ما التي
كانت ، وما التي دامت ، أقوى القوى العالمية ؟ أنه هو هذا الطفل العاري في مذوده ، الفقير في اسطبله ، هذا الطفل الالهي الذي لا يملك لا جيشاً ولا ثراء ، لكنه محط الامل والعزاء لان المستقبل في حيازته .
كم من طفل قذف به الرحم في كوخ حقير او مكان وضيع يدل كل ما حوله على كآبة وحسرة . ولكن من يعلم ان كان يحمل هذا الوليد في غيب مستقبله المجهول احدى اماني بني الانسان ؟ فالبداية تبدأ مع كل كائن جديد ، مثلما في الشباب والحب والرجاء .
فهذه الام المنحنية فوق وليدها في المذود ، ان لفي ثغرها بسمة تبعث الامل والرجاء ، انه ليكاد يقعدها الاعباء لتبصر منه جمالاً وكمالاً . ورغم ذلك فلفتة نحوه تكفيها لتسبغ حنواً وعطفاً على ابنها الذي هو الهها .
وفي مثلها ومثلها ، تنحني الانسانية الكليلة من جروحها ، صوب المستقبل الآتي والايمان ملء قلبها مرددة قول شلي : « حيث ان نزل الشتاء هل يطول قدوم الربيع ؟ » ذاك هو غور معنى هذا المساء البهج ، معنى هذه الاسراب تحيي الشوارع عند منتصف الليل ، في جلبتها البهجة ، معنى هذه الفوانيس الريفية يسطع نورها على الثلج وفي الظلام ، تغدو بحامليها نحو المعبد المنير .
الميلاد ! حين تنجلي الظلماء عند شفق امل جديد .





