حينما نظرت إليها، وكنا آنذاك في بيت أحد الأصدقاء. كان وجهها يطفر مرحاً وبشراً، وكانت بعينيها الزرقاوين وشعرها الذهبي ينسدل على كتفيها، تحاكي زرقة السماء الصافية وأشعة الشمس المنعكسة على سطح البحر الهادئ. ولم يكن هذا أول عهدي بها، فقد عرفتها قبل سنين يوم كانت طالبة تروح وتغدو في ثوبها الأسود، ذلك الثوب التقليدي الذي اتخذته المدرسة شعاراً لفتياتها يرتدينه فوق البستهن. كنت في ذلك الوقت موظفاً حديث السن، لا عهد لي بالوظيفة ومسؤولياتها وتبعاتها، ولم يكن قد مضى على تركي المدرسة سوى عام أو بعض عام، ولا هم لي إلا المحافظة على مواعيد المكتب، لئلا يقال إن فلاناً تأخر بعض دقائق - تماماً كما كنت أيام التلمذة ... جاءني مدير المكتب ذات يوم وقال: «أبشر فسوف تأخذ مكان رئيسك في القسم الذي تعمل فيه، وسترتقي بذلك درجة ..» فشكرت للمدير حسن ظنه وتقديره، ولست أدري كيف شكرت زملائي الذين هنأوني بمركزي الجديد. وبدأت أشعر منذ ذلك الحين بالمسؤولية الملقاة عليّ. أخذت أذهب مبكراً إلى مركز عملي لإنجز ما تراكم عليّ من أعمال اليوم السابق. وكنت أقابلها في طريقي كل يوم. كم كان جميلاً ذلك الرداء الأسود الذي يضفي على جمال لونها الأبيض، فتنة
وبهاء. اعترف لك أنني كنت أكره اللون الأسود وأتشاءم منه، ولست أدري كيف أصبحت أحبه وأتوق إليه. كانت حبية خجولة، تمشي في حياء وخفر وتحمل في يدها بضعة كتب، يكثر عددها أحياناً ويقل أحياناً أخرى، حتى شاهدتها يوماً تحمل كتاباً واحداً.. كم وددت أن أتقدم منها كي أحمل عنها حملها الثقيل، وكم رغبت أن أوصلها بنفسي إلى المدرسة كي لا ينظر إليها أحد. لقد أصبحت أغار عليها من كل شيء، حتى من نفسي.. ولست أدري أن كانت تعلم شيئاً مما يدور بين جوانحي، ولكنها على كل حال تعلم أن هنالك من يتطلع إليها ويرنو حولها كل يوم. وجاء ذلك اليوم التاريخي في حياتي، يوم أظهرت السماء مداراً، وأبت أن تصحو ولو إلى حين. وكنت ممسكاً بمظلي في طريقي إلى المكتب، وفي نفسي أقباض وفيها كآبة ظناً مني أنها لن تأتي في هذا اليوم الماطر، ولكنها أتت .. أني أراها تقف تحت شرفة ذلك البيت تنتظر سكون المطر، وقد فاتها وقت المدرسة أو كاد. وكان التردد مرضاً قد أعياني طيلة حياتي، يدخل في نفسي فيغلّ يدي ويشلّ عقلي، ورحت أغالبه هذه المرة بعد أن غالبني مراراً من قبل. ولم أشعر إلا وأنا أدنو منها، فتتلعثم الكلمات في فمي، وأشعر بالعرق يتصبب على جبيني والجو ماطر والبرد شديد. لكني
تمالكت نفسي أخيراً، وبدأتها بالتحية قائلاً: «عمت صباحاً...» ولم أتركها مجالاً للرد، بل أردفت قائلاً: «أتسمح الآنسة أن تستظل بمظلي لنقطع الطريق» ورمقتني بنظرة فيها استغراب ودهشة وكلها عطف وحنان. وسرنا نقطع الطريق، فكانت تثب خشية أن تغوص قدماها في الوحل، فأثب بدوري حاملاً مظلي خوفاً من أن يبللها المطر. لعلي لا أكذبك القول إذا قلت أنني لم أعِ شيئاً مما قلته أو قالته. وكل ما في الأمر أنها حين وصولها المدرسة، حيتني شاكرة وودعتني بابتسامة ساحرة، كانت كل ما أبغيه. ولما وصلت المكتب متأخراً بعض الوقت، كنت لا أزال أسبح في بحر من التأملات والماء يقطر من ثيابي والمظلة في يدي .. مضت الأيام سراعاً وكنت أراها، أو قل كنت أتتبع خطاها فأكتفي بنظرة من عينيها الزرقاوين، أستنير ببريقها طيلة نهاري، فأتخيلها في كل وجه أراه. وأصبحت ألعن اليوم الذي أراها فيه وأتشاءم منه وأتطير. وكان لي صاحب من أخلص أصدقائي، يسدي إلي النصيحة ويخلص القول، فكنت أبثه ما في نفسي وما يعتلج في فؤادي. فكان تارة يسخر مني وأخرى يشفق عليّ، وأنا من موقفه هذا بين راضٍ منه ونام عليه. أن أنسى لا أنسى ما حدث في ذلك الصباح، حين جاءني ساعي المكتب


