مررت بها صدفة فلم أعرفها ... لقد شحب وجهها النضر وذوى ... وضوى جسدها الغض وهزل ... وتقلصت سحنتها المشرقة وخبت ... فغدت وكأنها في أواخر العمر وهي ما كادت تجتاز مراحله الأولى - سألتها ما بها، فراحت تقول:
هذه الحياة على حداثة عهدي بها قد سُمتني وسُمتها ... ضاقت ذرعاً بي وضقت بها أذرعاً ... غير أن كلاً منا ما زال يشد على الآخر بقوة وعنف، متعلقاً به بقسوة دون لهفة، لاصقاً به في عناد دون رغبة ... ولا أرمي قولي هذا جزافاً أو أنا أتفوه به عن حق أو نزوة، إنما أعنيه في كل كلمة ... وتتساءلين عن هذا السبب الذي حملني على هذا التشاؤم المريع، والذي جعل مني كهلة في مقتبل العمر وزهرة الشباب ... ذلك أنني فيما عشت، وفيما اجتزت في عمري من سنوات كثيرة أو قليلة، كنت دائبة دوماً في البحث عن جواب لسؤال استحوذ علي صغيرة، وملك علي تفكيري وعقلي كبيرة، فأرهق مخيلتي وأرداني موارد أنا بغنى عن ارتيادها ... وكنت كلما فكرت فيه ازداد هرباً مني، وكلما أمعنت في اللحاق به أمعن في الابتعاد ... ذلك السؤال هو: لماذا أعيش، وما هي علة وجودي، ووجود كل كائن حي على هذه الأرض؟ ...
وجهت سؤالي هذا عندما كنت
طفلة أحبو، إلى والدتي فدهشت لفتاة مثلي يصدر عنها سؤال مماثل - على أنها سرعان ما أجابتني قائلة: لقد وجدتِ على هذه الأرض يا بنيتي، لتعبدي الله أولاً، ثم لتتعلمي وتتثقفي ... وسألتها متلهفة: ومن هو الله يا أمي، حتى أوجد أنا على هذه الأرض لأعبده فحسب ... وقطبت والدتي ما بين حاجبيها، وأطبقت فمها بأناملها، وهي تشير إلي أن أصمت ولا أكفر بتفوهي بأسئلة كهذه، فالله يراني ويسمعني أينما كنت وحيثما توجهت وهو يحاسبني على أعمالي، وما جنته يداي ...
أخذت أمثل الله بعدها، إنساناً ولكن من العمالقة، له عينان واسعتان جداً، وأذنان كبيرتان، يرى ويسمع
كل شيء تقوم به ... وكنت أتمثله في الليل، في الظلمة الحالكة، بعيونه البراقة، المبعثرة نجوماً متألقة في أرجاء السماء، يرقبني من خلال النافذة، فاغمض عيني هلعاً، والقي غطائي فوق رأسي واستسلم للرقاد، فإذا به شاخص في أحلامي مؤنباً حيناً على فعلة شنعاء قمت بها، مثنياً حيناً آخر على أخرى مجيدة قدمتها يداي ... وشببت عن الطوق، وتغير مدلول كلمة الله عندي ... ورأيت أنه من الحمق والكفران نعتقد أن وجودنا في هذه الدنيا ليس إلا لعبادة الخالق .. فهو بغنى عنا، وهو لا يريدنا عبيداً، نقضي حياتنا في السجود ... وإن كان من واجبنا نحن أن نحمده على عطاياه ونعمائه ونسبح بحمده دائماً ... وما عتم سؤالي الأزلي أن عاودني ملحاً في إيجاد الجواب ... ومضيت بدوري أبحث عن جواب، مقنع، شاف ... وقالوا: لقد وجدنا في هذا العالم لنؤدي رسالة، قلت وما هي تلك الرسالة، فمنهم من


