يحاول هذا الانسان ان يجد مثل غيره وسيلة للغنى السريع لانه سئم العمل باجرة زهيدة او بدخل لا يدر عليه سوى الكفاف او دون ذلك احيانا. فاذا فشل في الوصول الى ما يريد عن طريق العمل المشروع سعى لتحقيق مطامعه بوسائل معوجة فمارس فنون المصانعة والتطفل والاتكالية والاستغلال والانتهازية والمحسوبية ونحوهما من وسائل النهب المتستر بستار الشرف والاباء.
ونحن اذا عرفنا ان مستوى العيش في اقطارنا العربية لا يزال شديد الانخفاض وان معدل الدخل السنوي للفرد يتراوح بين ثلاث مئة واربع مئة ليرة في لبنان، بينما يبلغ نحو خمسة الاف ليرة للفرد الواحد في الولايات المتحدة، اذا عرفنا هذا وجدنا بعض العذر للفقراء والمحرومين ومتوسطي الحال الذين يؤلفون في بلادنا اكثرية ساحقة، ورأينا لعطشهم الى المال اسباباً تخفيفية ولم يدهشنا ان نراهم يريقون ماء الجبين وينتهجون السبل المعوجة للوصول الى الغنى، بعد ان سدت في وجوههم السبل المستقيمة.
ولكن، كيف لنا ان نفسر شره الاغنياء اصحاب الجمع والمنع؟ اي عذر لهؤلاء في تهافتهم على تكديس الاموال وسعيهم لبلوغ الملايين بعد ان اصابوا مئات الالوف؟ كيف نفسر حرصهم المريض وضنهم بالعطاء اليسير في سبيل المصلحة العامة، في حين يبذلون الكثير على الملاهي الضارة والمقتنيات النافلة؟
قد يجيبك بعض الناس ان فقدان التأمينات الاجتماعية في بلادنا وعدم ركون الفرد منا الى الغد وخوفه من
تقلبات الزمن. يربي فيه الحرص الشديد والخوف المضني على امواله. لكن هذا الجواب وحده لا يستطيع ان يقنعنا. والواقع ان انعدام التربية الاجتماعية وضعف التثقيف الروحي هما العامل الاول في تغذية الجشع الذي يميز الفقراء والاغنياء على السواء. فالتربية الخلقية عندنا لا تزال مقصورة على بعض التقاليد القديمة الموروثة التي تقصر عن مراعاة حاجات العصر.
ان الوالدين يوجهون اولادهم نحو تحصيل المال لكنهم لا يحسنون اعدادهم لكيفية جمعه وكيفية انفاقه. لذلك تسهر الحكومات الديمقراطية في هذا العصر على تنشئة ابناء الجيل وبناته تنشئة قومية
تعلمهم احترام حقوق مواطنيهم والامتناع عن استئثارهم وتربيهم ان واجبهم الاول هو التعاون مع الغير والبذل والانفاق على المشاريع العامة والسعي لتحسين بيئتهم ورفع مستوى المعيشة بين سكانها.
ان مكافحة الاستئثار والجشع والوصولية تقوم بمكافحة اسبابها. اي بتوسيع ابواب العمل امام الشباب والشابات ورفع مستوى الاجور وتطبيق قانون الحد الادنى لاجور العمال والموظفين.
فمتى توفر للعامل والمستخدم مجال تأمين مستوى لائق من العيش، واصبح واثقاً من يومه مطمئناً الى غده، قلت رغبته في النهب والاستغلال واصطياد الثروة من اقرب طريق. والامر نفسه يصدق على الفلاح والملاك الصغير.
ومتى اضطر الاغنياء، بواسطة الضرائب التي تتناسب مع مداخيلهم، الى البذل لاجل المشاريع العامة، ورأوا في تحسن بيئتهم وتقدم مجتمعهم ما يغريهم بالاستمرار في المساهمة، اصبحوا عاملاً هاماً في البناء والتعمير وعدوا الانفاق على غير ملذاتهم الشخصية امراً لا بد منه.
وحين تتبنى المدارس برامج عملية في الخدمة الاجتماعية، وتربي النشء على الحياة البسيطة والروح الرياضية والعمل المجموعي المنظم، يقوم عندنا جيل يحس احساساً اجتماعيا يبذل من جهوده ونشاطه في هوايات علمية وفنية، ولا يقف حياته على جمع المال وتكديس النقود.



