ـ ... بين بين !
ـ ماذا ؟! وهل بيتها عنا بعيد ؟
ـ بل ههنا ... بين يديك هي !
وما أخفّ ما هبّت تلك المرأة الثقيلة الوزن ، وما اسرع ما احتضنتني اليها ، وراحت تستمطرني بقبلاتها انّى وقعت .. وبكت وبكيت معها ، وصافحت دموعها دموعي . وفي غمرة عاطفتها الدافقة ارتفعت عن الاعتبارات الثانوية التي كانت ، الى برهة ، مقياسها الاول ، ونسيت البرنيطة التي كانت على تفاهتها اكبر حاجز بيننا ... واحببت هذه السيدة التي ، بلغة قلبها ، عبّرت اصدق تعبير عن شيء جميل ، لا اعلم ماذا اسميه ، يا صديقي !!
في ذلك اليوم اكتشفت ، أن الفوارق الخارجية المصطنعة ، مهما بعدت وتعددت ، بين انسان وانسان ، لا بد ان تزول وتضمحل ساعة يلتقي الناس على الصعيد الانساني الذي يتنزّه عن الصغار ويتحرر من هذه الفوارق الدنيوية ...
★
جاء دور الحويك ، فتحوّلت الاسماع صوبه ... قال :
اجمل ذكرياتي ترجع الى فجر طفولتي ، يوم كان لي من العمر عدُّ اصابع اليد الواحدة ...
كان جدي الخوري ، يزوّد فلاحي قريتنا ، قبيل نزولهم الى طرابلس لشراء حاجتهم من المؤونة السنوية ، بتوصية صغيرة الى صديق له يدعى الحاج احمد - تاجر في « باب التبانة » . وكان الحاج احمد ، لا يألو جهداً ، لدى وقوفه على هوية الفلاحين ، في تقديم جميع المساعدات ، حتى انه كان احياناً يسدُّ عجزاً قليلاً او كثيراً ، قصّرت ميزانيتهم دونه ، وبدلاً
من ان يستكتبهم سنداً بالقيمة ، يحمّلهم تصريحاً بسيطاً يحفظ امانة في خزانة جدي الخوري الى حين يجيء موسم القز ، ويحضر الحاج احمد الى « حلتا » على بغلته .
اذكر كيف كنت اطلق ساقيَّ كالمهر ، الاقي الحاج احمد من مقلب الضيعة . الاقيه بالتصفيق والهتاف ، وبرقص العيون ! ... فيرفعني اليه - « كبرت يا يوسف » ، يقول لي ، ويجلسني امامه على البغلة المزوّقة ، ونروح معا « نترقوص » على رنين اجراسها الصفراء !!
... الله ! كيف تعيش في خاطري تلك الليالي البعيدة ، مدة وجود الحاج احمد ضيفاً علينا ، لانجاز مهمته الرئيسية من شراء شرانق الحرير وتصفية حساباته مع الفلاحين ! .
اذكر جيداً ، كيف كانت جدتي الخورية ، في كل غروب شمس ، تبسط للحاج احمد على زاوية السطح ، حصيرة صغيرة تحفظها نظيفة على اسمه ، عاماً بعد عام ، لاداء فريضة صلاته ...
وكان جدي ، هو ايضا ، ينتحي ، مع « بطرشينته وسبحته » ، ركناً آخر من السطح نفسه ، يتم صلاته ... وبعد الصلاة ، يقوم الحاج والخوري الى « طبلية » مستديرة على الارض ، عليها صحون المجدرة والسليق والزيتون ، واحيانا الفراخ المشوية ... فأجلس انا بينها سعيداً راضياً ، نغمس خبز الرقاق في الصحون ، ونتناوب النوادر والنكات .
في هذه الهنيهات الربانية الصافية كانت تحلو للحاج احمد مداعبتي ، فيسألني محرجاً موقفي : - قل يا يوسف ، من تحب اكثر ، جدك الخوري او انا ؟ وكنت اجيبه بسذاجة الطفل وبشيء من الحياء البكر الذي لا يعرف رياءً : - احب جدي الخوري حباً جماً ... لكن انت احبك اكثر ... لانني اموت على « حلاوة الجزريّة » التي تحملها لي كل سنة من طرابلس !! .
ادليك جويديني شيبوب