بامتياز لكنه دفع الثمن باهظاً، فأمره الأطباء بالنزوح إلى الغرب حيث يساعده الهواء النقي على استرجاع صحته، فسافر إلى «أوماها» المدينة التي أمها الأولاد فيما بعد، يبحثون عن ملجأ وعن «إيدي فلانكان»، وارتاح هناك، كما اجتمع برئيس روحي زاد عزيمته لمتابعة أهدافه، وذهب في آخر ذلك الصيف إلى روما، وذلك أقصى طموح طالب لاهوت، لكنه كان بالعكس لادي، الذي خسر حتى هذه المحاولة، إذ لم تتحمل صحته المناخ، ورأى أنه إذا مكث سوف يخسر حياته، وهكذا قفل راجعاً إلى «أوماها» عام ١٩٠٨ ليشغل وظيفة كاتب في إحدى الشركات، ولكنه لم يفقد إيمانه. وبعد سنتين أعطاه طبيبه تقريراً يمكنه من متابعة دراسته، واختار أن يعود إلى أوروبا لينهي تحضيره للكهنوت في جامعة «Innsbruck» حيث ساعده الهواء النقي.
وفي صيف ١٩١٢ ركع «أدي» أمام المذبح لينذر حياته لخدمة ملك السلام، وأخيراً أصبح كاهناً! فقدّم القداس في صباح اليوم التالي، ثم حزم أمره للعودة إلى «أوماها» وبعد ستة أشهر من عودته أصبح معاوناً لرئيس
كنيستها، وقرّ به ذلك أكثر من الفقراء والمرضى والمحتاجين للعزاء الروحي وقدم المزارعون الفقراء لجهة الغرب في عام ١٩١٣ فوجدوا المحصولات ضئيلة – إلى أين يلجأون، لا مأوى ولا مال؟ كانوا بحاجة للمساعدة و«الأب فلاناً كان» الكاهن الشاب أجاب النداء. وهنا بدأت فكرته لإقامة فندق، وساعدته الإبرشية وتسلم معونة من بعض الرفاق ثم بحث عن بناء يؤجر مقابل ترميمه، وكان جوابه لبعض المتهكمين، غير المؤمنين بنجاحه: «الإيمان يا أخي، هو رأسمالي».
مضى إلى العاطلين والمشردين
مدينة الأولاد ... حلمٌ يتحقق
واخبرهم بأنه جعل لهم مسكناً، وكان الفندق مؤلفاً من طابقين، وأقبل عليه مئة في اليوم التالي لدعوته، وراحوا يعملون في ترميم بعض الأماكن المتهدمة وبعد أيام كان الفندق جاهزاً ليسجل سبعة وخمسين ضيفاً في الأسبوع الأول، وهنا عاد الأب «فلانكان» إلى التفكير في وجوب إيجاد نزل أكبر يأوي إليه أي محتاج، وبالفعل وجد فندقاً يتسع لمئات العمال وسرعان ما أصبح يقدم
طعاماً لخمسمئة عامل في كل ليلة، وكان يزوره أحياناً أطفال صغار وهؤلاء خلقوا مشكلاً جديداً، فأقام في الطابق الأعلى غرف منامة خاصة بالأحداث وهذه كانت نواة «مدينة الأولاد»، وفكر بانقاذ هؤلاء الأشقياء من حياة الإجرام، فصار يحضر محاكمات الأحداث، ويطلع أخبار جرائمهم، ويقف على كل شيء حتى اقتنع بأنهم يفتقرون للحب والحنان فبدأ يعتني بهم ويعطف عليهم، وكثيراً ما كان يسير معهم ويحدثهم كصديق ويتطرف إلى اقتناعهم بأنهم سوف يصبحون رجالاً صالحين؛ ووجد بأنه يحتاج لإعطاء هذا الأمر كل وقته، بل يجب أن يقف له حياته، وأذن كان عليه أن يتخلى عن الفندق الذي يخص الإبرشية، فوافق الرئيس الديني، غير أنه كان عاجزاً عن أن يمدّه بالمال، وهنا لعبت العجائب دورها في خلق تلك المدينة. لقد نظر الكاهن إلى ما حوله، فرأى أن كل ما لديه من رأس مال هو خمسة صبية وثلاث راهبات، وبعض المساعدات في الأغذية من المحسنين؛ وبدأ عدد ضيوفه يزداد يوماً عن يوم، وهو لهم مكان الأب والأم والمعلم، وفي ليلة الميلاد كان عنده خمسة وعشرون ولداً، وتجمعوا كلهم للعشاء مرحين، وهو يسكب لهم الغذاء في الصحن، ويبذر الاستقرار في نفوسهم المضطربة!
مرّ العام، وضاق المنزل بالسكان، فاضطر الأب لإيجاد منزل أوسع وانتقل الجميع إلى نزل فسيح تحيط به الحدائق والملاعب، وازدادت المساعدات ولم يعجب للأمر، لأنه كان واثقاً بنفسه ومؤمناً، وجاءته في ليلة امرأة شابة ومعها طفل في الثامنة، لقد تركها زوجها ولم تعد تفكر في ابنتها، فهل يقدر الأب أن يأخذه؟ ونظر إلى الصبي فامتلا قلبه شفقة، واستجاب لطلبة الزوجة