المظلومة ، التي قبلت ولدها وانصرفت ؛ ولما امره بالوقوف ، لبث الولد مكانه واجاب : « لا اقدر يا أبتاه !.. » لقد كان المسكين مقعداً . وطيب خاطره بقوله : « لا بأس ، سوف تسرّ عندنا ، وسأدعو أحد اخوانك الكبار فيحملك الى غرفته ، وستبقى هنا ، أتحب ذلك يا عزيزي ؟ » .
وكانت قصة هذا الصبي اساس شعار المدينة ، صورة ولد كبير ، يحمل طفلاً مقعداً ، وتحتها مكتوب هذه العبارة : « انه غير ثقيل يا أبتي ، فهو اخي ! » .
هذه هي الروح التي عمّت جو « مدينة الأولاد » ، وكان اعتقاده الراسخ انه ليس هناك اطفال عاطلون ، بل الاهل والبيئة هم السبب ! وهكذا نجح بإيمانه وعزمه ، فتغلب على كل العقبات ، وطلب المساعدات في الاجتماعات العامة على ألسنة اولاده ، كما ساعدته نساء « أوماها » بجمع التبرعات . واليوم ترى « مدينة الأولاد » مدينة حقاً ، تعترف بها حكومة الولايات المتحدة ، فيها صندوق البريد الخاص ، وجريدة ، وحمامات ، ومدرسة ثانوية ، ولها مزرعة خاصة ، فهي مقاطعة مكتفية بذاتها ، تتألف حكومتها من الاولاد ، هم ينتخبون الحكام ويعاقبون المخلّين بالامن والنظام !
ليس البناء الذي خلّد اسم « فلانا كان » فانه انقذ في حياته مئات الاولاد من الاجرام وحياة الشقاء ، كان بعضهم من القتلة وان كانوا لم يراهقوا ، وعاملهم بمحبة وحنان ؛ آوى المشردين والمطرودين والايتام ، وبذلك اسدى خدمات جلى للمجتمع والانسانية ، اذ يتسلّم بعضهم اليوم مناصب راقية .
في نهاية الحرب ، بعثته الحكومة
ليطوف حول العالم ، ينصح المربين في البلاد المنكوبة ففاجأته المنية إثر نوبة قلبية في برلين عام ١٩٤٨ ، لما تكبد من مشقات وما لقي من يأس وفشل ، وتوفي بعد بضع ساعات وكانت آخر كلمة نطق بها « آمين » ونقل جثمانه إلى « مدينة الاولاد » التي اسسها في اميركا !

