أيها الوحش المفترس ...
وندت عنه ضحكة ساخرة وهو يقول :
- مازلت طفلة يا عزيزتي ... انا لا اريد بك شراً ... انك لا تعرفين الحياة بعد ...
ولم يكد يقترب خطوتين نحوي ، حتى اجتاحتني ثورة من الجنون ، فلم ادر الا وانا امسك بيدي آلة من الآلات الطبية ، ارميه بها وانا اصيح مذعورة : لا تقترب مني ايها الذئب اياك ان تقترب ...
وسمعته يقول وهو يترنح متهاوياً الى الارض :
- لقد اصبت مني مقتلاً ... ايتها الحمقاء ... الجاهلة ...
★
لم ادر بعدها ماذا حدث ، اذ اني رحت في اغماءة طويلة ، افقت على اثرها على غوغاء في منزلنا ، ثم اني تمكنت ان استنتج من بعض الاصوات ان الطبيب قد اودع المستشفى ، وهو بحالة لا تدعو الى الارتياح ... ما كدت افتح عيني حتى التقتا بعيني والدتي ... كانت تمسح على جبيني برفق ، والدموع تتدفق على خديها ، وقد ارتسمت على محياها علامات الرضى والاعتزاز ...
- الحمد لله على سلامتك يا بنتي ...
واردفت قولها هذا بنظرة ، فهمت منها انها تود ان تقول بانها فخورة بي وبما قدمت يداي ...
وللمرة الاولى في حياتي ، شعرت بان هناك حاجزاً كثيفاً يقف حائلاً بيني وبين والدتي ... واحسست بثورة من الجنون تجتاحني وتتملكني ... وددت ان اصرخ بها حانقة ناقمة ، قاذفة في وجهها
بكل ما منحتني اياه من نصائح وما انشأتني عليه من تربية ...
غير اني اشفقت عليها وعلى نفسي وسكت وانا اشعر بالوحشة تغمر نفسي ، وبالألم يعتصر فؤادي ... ثم اني ما لبثت ان رحت في موجة من البكاء حادة وانا اردد باستمرار : اريد ان اراه ... خذوني اليه ... انني مجرمة ... اريد ان اطلب منه الصفح والغفران ...
ونزولاً عند رغبتي الملحاحة ، صحبتني والدتي الى المستشفى حيث اودع ... كنت واجفة القلب ، خائفة ، افكر فيما عساي ان افعل لو وجدته بحالة خطرة .. ما كدت ارى الطبيب الموكل به ، حتى نسيت كل شيء ، ورحت اسأله متلهفة مستفسرة عن حالته ، فطمأنني بقوله : ان الشج الذي اصاب رأسه سطحي جداً ، وحالته لا تدعو الى القلق ... واحسست ان عبئاً ثقيلاً قد ازيح عن كاهلي ... غير ان مخاوفي ما لبثت ان عاودتني ، عندما ولجنا غرفته ، فاذا به يغط في سبات عميق ، وقد ضمد رأسه بملفات بيضاء الفت الرعب في قلبي ...
ما ان اقتربنا منه حتى فتح عينه فجأة وكأنه كان يتظاهر بالنوم ، وفاجأني بقوله ، وقد تراءت على شفتيه ظل ابتسامة :
- أهذا انت ، ايتها الآثمة ؟
ثم نظر الى والدتي وتابع قوله :
- ابنتك يا سيدتي مجرمة ، تستحق اشد العقاب ... فلقد كادت تودي بحياتي ... وانا سأقتص منها بدوري ..
وبدا الجزع على محيا والدتي ، وحاولت ان تقول شيئاً غير ان الكلمات تلكأت في فمها وتعثرت ولم تخرج ...
ونظرت انا اليه بعينين متضرعتين ، وكدت ان اتوسل اليه قائلة : انا آسفة اغفر لي ... او افعل بي ما شئت فانا
استحق العقاب ...
ومضى هو يقول مخاطباً والدتي :
- هل سمعت يا سيدتي ، انني اريد ان اقتص من ابنتك ، وستوافقين انت بدورك على العقاب على الرغم منك ... وها انني اصدر العقوبة الآن ...
وتعلقت نظراتنا بفمه ... اما هو فقد شرد لحظة وكأنه يفكر فيما سيقول ، ثم قال متعمداً الجد :
- العقاب يا سيدتي هو ان تزوجيني منها ...
وفغرت والدتي فاها ... وحملقت انا بعيني ...
وتابع هو كلامه :
- هذا هو العقاب ... فهل توافقين ؟
وحبست انفاسي لالتقط الجواب ، وقد تضرج وجهي ، وانبسطت اساريري وتألقت عيناي ... وتطلعت الي والدتي بتحنان ، واذا بها توافق بإماءة من رأسها. لم اشعر قط في حياتي بانني اجبت والدتي كما اجبتها في تلك الساعة ... وبحركة لا ارادية ، واستطيع ان اقول لا شعورية ، قفزت من مكاني ، وضممت والدتي الى صدري ، ورحت اغمرها بقبلاتي وانا اردد : كم احبك الآن يا والدتي ... الله كم احبك !!.
ماجدة عطار