سألتُ مرةً معلمة أجنبية لماذا اختارت مهنتها فقالت: لأنها المهنة الوحيدة التي تسمح لي بعطلة ثلاثة شهور كل سنة.
وسألتُ واحدة أقدم منها في المهنة وأكثر اهتماماً بعملها فقالت: إني أميل إلى الأعمال العقلية فآثرت تدريس الفلسفة لأن ذلك يُتيح لي فرصة المناقشة والمباحثة مع طالبات نجحن في القسم الأول من البكالوريا وبلغن مقداراً من النضج الفكري. لكني أعلم أني لم أُخلق لتربية الأولاد ولا لإدارة المدارس.
قلت لها: ألا تعتقدين أن الانصراف إلى التعليم والاقتصار عليه يجعل من المعلم آلة تدور على نفسها لا تنمو ولا تتجدد؟ ولهذا نجد كثيرين من المعلمين يحاولون ممارسة بعض الهوايات في خلال عملهم أو يوزّعون نفوسهم بين التعليم ومهنة أخرى.
أجابت: التعليم في رأيي دعوة أو نداء علوي كرهبنة. ميلٌ يولد مع الإنسان فيسيطر عليه ويستغرق نشاطه. إني أعرف معلمات ومديرات استهوتهن المهنة فوقفن عليها أعمارهن وجهودهن حتى ألهتهن عن كل عمل آخر. مثل هؤلاء النساء قليلات. مع هذا، يستطيع الإنسان أن يحب مهنة التعليم ويؤدي واجباتها بأمانة، من غير أن ينصرف إليها انصرافاً تاماً، هذا إذا كان من أصحاب الضمير الحي. أما الذين يوزّعون نفوسهم بين التعليم وأعمال أخرى ويهملون المهنة طمعاً في الربح فهؤلاء يسيئون إلى مجتمعهم.
ورحتُ أسأل نفسي: لِمَ اخترتُ مهنة التعليم؟.. الواقع أني لم أخترها بل كانت العمل الوحيد الذي تيسّر لي مزاولته بعد ترك المدرسة، من غير استعداد إضافي. وبما أن المهن النسائية في بلادنا لا تزال قليلة العدد، لا يزال التعليم أشيعها وإن لم يكن أكثرها إغراء.
ورغم أنه أقدم المهن العقلية التي زاولتها المرأة عندنا، ما زلنا فيه مبتدئات، قليلات الخبرة والعدد. وإذا شكونا فقراً في المعلمين الأكفاء المتخصصين بفن التعليم، المتفوقين إليه، فنحن أشد فقراً في المعلمات وأشد حاجة إلى العدد الكافي من ذوات الكفاءة والاختصاص.
ليست مهنة التعليم من المشقة بالمقدار الذي يزعمون. فقد قرأتُ في مجلة أميركية مولعة بالإحصاء أن التعليم من المهن التي يعمّر أصحابها أي يعيشون طويلاً. والسبب في ذلك على الأرجح، أن عشرة الأولاد تمنحهم فتوة دائمة وتُشيع فيهم عدوى المرح، فلا ينال منهم الزمن ولا يهزمون.
إن المعلم يستطيع أن يحب مهنته وينصرف إليها إذا وُجد في الجو الصالح للتعليم، في بناية صحية واسعة الغرف، أمام صفٍ منسجم لا يزيد عدده عن الخمسة والعشرين، حين يقبل على عمله مزوداً بحسن الاستعداد والخبرة، وبمقدار كافٍ من حرية العمل وحسن المكافأة.
ونجده على العكس تماماً في بيئة غير صالحة للتعليم، تثير نفوره من المهنة عوامل مختلفة أهمها أولاً ضآلة الراتب وسوء المكافأة. ثانياً الإرهاق والإجحاف. ثالثاً المتاعب التي يتعرض لها العاملون في مدرسة تجارية استثمارية، أو في مدرسة دعائية (دعاية دينية أو سياسية) أو في مدرسة سيئة الإدارة لا أثر فيها للنظام والتدقيق.
إلى العقبات البيئية تضاف العقبات المهنية أو المسلكية التي تجابه المعلم حين يجهل أصول المهنة أو لا يميل إليها وتجابه معلم الصفوف المتوسطة أو الثانوية إذا انتهى إليه طلاب وطالبات استطالت قاماتهم وغلظت أدمغتهم، لأنها لم تعالج بالتثقيف منذ الصغر، فيرى معالجتها بعد فوات الأوان أمراً عسيراً أو ضرباً من المستحيل. وأكثر التبعة تقع على رؤوس المربّين والمربّيات الذين تسلّموا الولد منذ الخامسة أو السادسة من سنيه فأساءوا تنشئته وتكوين قواه العقلية فأصابه الوهن والعجز حتى يئس منه المعلم الثانوي وراح يعجب لتدنّي مستوى الذكاء في الجيل الطالع.
إن مصيبة التعليم عندنا في ضعف التأسيس. في الخطة التي ننتهجها من احتقار للتعليم الابتدائي وانتخاب أقل المعلمين معرفة واستعداداً للاضطلاع بأعبائه. مع أن الأمر يجب أن يكون بالعكس لأن سرّ العلم في الأساس كما أن قوة البناء في أساسه.
لو قُدّر لك أن تتصل بمدارسنا الابتدائية وتختبر طرقها وأحوالها لرأيت معظمها لا تزال تتبع في التعليم
