النبات في عصرنا . وكذلك الفنان ( فيليبيوليبي ) وكثير غيرهم من فناني عصر النهضة وغيره الذين لوّنوا اللوحات العديدة في تمثيل الربيع ووصف بدائعه ونضارة اجوائه .
ثم جاءت المدرسة ( الفلمنكية ) فدبج فنانوها ، وهم من عُرفوا بالدقة والحذاقة ، الشيء الرائع عن الربيع وزهره وذلك باسلوب حلو وروح رقيقة وما في المتاحف الاوروبية من اثارهم شاهد على ذلك .
ولم تكن المدرسة الانكليزية بأقل من غيرها عناية بالربيع لا سيما ونحن نعرف بعض الشيء عن حب الانكليز للازهار والحضرة ، ونعرف الطبيعة الانكليزية وحقولها الخضراء ذات الربيع الدائم . ونعرف ايضاً ما نفحه الاديب ( رسكن ) في امته من روح متعشق للطبيعة ودفاعه العنيد عنها كي يتمتع ابناء بلدته بما في هذه الطبيعة الخلابة من جمال لا يجد مما يوقظ فيهم ابداً حب الحياة والشعور بالحياة ، فالزهرة البسيطة في منظرها عند البعض ، هي عظيمة الأثر في معناها قوية في تأثيرها ، فهي دليل الحياة الراقية ودليل التمدن والحضارة ، ومن عف عن رؤية الزهر ونساه فقد نسي الكثير من انسانيته والكثير من معنى حياته . وقد اعتنى اهل الفن الانكليز عناية خاصة بتصوير الربيع وفي طليعتهم الفنانان ( كونستابل ) و ( كنزيري ) وغيرهم كثير . اما المدرسة الفرنسية فقد شاركت لحد بعيد في تلوين لوحات رائعة لهذا الفصل الجميل نذكر في مقدمة الفنانين ( فاتو ) الذي انشدنا بلوحاته جمال الطبيعة ونضارة الربيع في ابنه فاعطانا من فنه ما يعد بحق روائع خالدة ، لا سيما وكانت ظروف الحياة وتقاليد الجيل يومئذ مؤاتية ، فالناس في عصره كانوا يخرجون الى البساتين والرياض يقضون ساعات حلوة هنيئة بين العزف والشراب ومجالسة الحسان مما مهد للفنان تصوير الربيع باجمل حله وازهى صوره . وماثله في ذلك ( فراكونار ) الذي مثل الربيع في رياض ( فرساي ) وخمائل ( فونتانيلو ) فزاد في زهو الطبيعة وضحكها وهو الفنان المرح الطروب الذي هام بالطبيعة والحسان على السواء ، وهل الربيع والحسان إلا شيء واحد وصورة للجمال والشباب ؟
ولكن الفنان ( كورو ) وقف حياته تقريباً على تصوير الطبيعة وخاصة الربيع ولوحته
الربيع عند الصباح حيث في مسارحه الضاحكة وسهوله الخضر راحت الفتيات ترقص وتنشد وتنعم بلذائذه وتتفيأ ظلال اشجاره الباسقة وقد بدت اشعة الشمس على ادواحها واكف اوراقها اللماعة فزادت في محاسنها وابرزت مفاتنها بفضل سحر ريشة هذا الفنان العبقري الذي تفرّد باظهار مفاتن الطبيعة فهو شاعر بلسان خطوطه وألوانه فأسمعنا اعذب الالحان واشجى الانغام باللون والحركة وسكب الضياء ، ففي لوحاته نحس النور والنسيم وننشق الشذا ونشعر باعمق ما في الحياة من معنى وسحر وفتنة .
وعندما نتحدث عن فنانين الغرب هؤلاء فلن يفوتنا ان نذكر ان الفنانين اللبنانيين لم ينسوا ( الربيع ) وهم يعيشون في لبنان وفي طبيعته الفاتنة الزاخرة بضروب الحسن ، الرافلة باروع مطارف الجمال وازهى مباهج الحياة، وان تكن ظروف الحياة القاسية عليهم لم تسمح لهم بانتاج عدد وافر من صور الربيع فهم على كل حال لم ينسوا ان يختلسوا من جماله لمحات كلما سنحت الفرص أكان ذلك في ذرى جباله المكللة بالثلوج او في سفوحه ووديانه المزينة بالخضرة والازاهير او في شطآنه الضاحكة المرحة .
ففي الربيع في لبنان نشهد عرس الطبيعة وعيداً من اعياد الجمال ودعوة سمحة كريمة من تلك الدعوات التي تقدمها الطبيعة لمحبي الجمال وعشاق الحياة من ابنائها .

