تتحمل الأم القسط الأوفر من الآلام والعذاب والمشاق في دفع الجيل الجديد الى الحياة وتربيته وتهيئته لان يكون عنصر خير وبناء في المجتمع البشري ومع ذلك فانها تبقى في الهامش من الامور التي تتصل بمقومات حياة اولادها من حيث هم افراد اجتماعيون ومن حيث هم عنصر بناء وانشاء في الجيل الطالع.
كان ذلك يبدو طبيعياً، او اقول «مقبولاً» يوم
كانت المرأة او الام عالة على رب الاسرة يؤمن لها ولاولاده حاجاتهم وحياتهم فكان ينفرد بحق ادارة شؤون هذه الاسرة وامورها والقانون يقر له هذا الحق ويحميه. وهكذا كانت السلطات يوم انفرد رب الاسرة بحق التمتع بالتعويض العائلي، ترى من الطبيعي والمفروض حتماً ان يتمتع الرجل بهذا الحق. ودخل في نصوص القانون على انه صاحب العلاقة الاوحد.
على ان المرأة ما لبثت ان خاضت غمار الحياة العامة وولجت مختلف ميادين العمل فساهمت في تأمين حياة الاسرة وحاجاتها فبات من الطبيعي وفي منطق الامور ان يختلف موقف القانون منها وان تعدل خواصه مع ما يتفق ووضعها الجديد وان لها مثل ما لرب الاسرة من حقوق فيقسم التعويض العائلي الى قسمين يقبض منه الرجل القسم الاول والزوجة القسم الثاني، او يقبضه واحدهما كاملاً اذا لم يكن له رفيق يتقاضاه، او، وهذا معقول وحق، ان يقبضه لكلاهما كاملاً تشجيعاً على انجاب الاولاد.
هذا من الوجهة المبدئية العامة.
اما من الوجهة العملية الواقعية، فقد شاءت مجلة «صوت المرأة» وقد كان لرئيسة تحريرها ادفيك جريديني شيبوب فضل الاولوية في اثارة هذا الموضوع وارسال كتاب مفتوح الى قائدات الحركة النسائية لتنبههن الى هذه الناحية الهامة جداً من حقوق المرأة، قلت لقد شاءت مجلة «صوت المرأة» ان تعد درساً مفصلاً عن هذه المسألة، مسألة حق المرأة بالتعويض العائلي فرأينا ان نوافيها بمعلومات معينة تؤخذ كمثال عن وضع سيدات
موظفات يقمن باعالة اولادهن بانفسهن لظروف واسباب خاصة ولا يتقاضين مع ذلك التعويض العائلي، لان القانون ينص على انه:
«عملاً بقانون الشرعية يكون الاولاد على عاتق الاب حتى يبلغوا سن الرشد او السن الذي يمكنهم فيها كسب عيشهم وحتى يوم يتزوجن اذا كن اناثاً».
«اذا كان الوالد عاجزاً مادياً عن تأمين احتياجات اولاده، فالاولاد يكونون قانونياً في عهدة الام، وفي
وفاة الام او غيابها فيكونون في عهدة القريب المباشر حتى سن الرشد او حتى السن التي تخولهم كسب عيشهم».
«ان غياب الاب يعتبر مانعاً مادياً عن قيامه بما يتوجب عليه نحو اولاده شرط ان يكون مجهول محل الاقامة في الخارج او ان يكون في حالة فقر مطبق تمنعه من القيام بواجباته نحو اولاده» الخ ...
من هنا يتضح ان الام لا تستطيع ان تتمتع بحق التعويض العائلي حتى وان كانت تساهم بالقيام بقسط وافر من الاعباء التي تترتب على رب الاسرة، وانه يحق لها التمتع بالتعويض العائلي الا اذا استطاعت ان تثبت انها ارملة او ان زوجها مجهول الاقامة.
يتضح مما تقدم ان القانون المرعيّ الاجراء عندنا لم يعد من الانصاف والعدالة بحيث يليق تطبيقه في بلد، خطت فيه المرأة خطوتها الحاسمة واصبحت سياسياً مع الرجل على صعيد واحد، وبات من الواجب اثارة هذا الموضوع بشكل واسع واطلاع الرأي العام عليه.
تمهيداً لهذه المرحلة الثانية سعت مندوبة صوت المرأة في الحصول على احصاء من بعض الدوائر الحكومية يكشف بجلاء عن اسماء بعض الامهات ممن يناضلن في سبيل اعاشة اولادهن، بينما في معظم الحالات، تخلى الزوج عن مسؤوليته، مولياً وجهه عبر المتوسط الى ما شاء له حظه العاثر ...
فهؤلاء الامهات وقد جار عليهن الزمان بهذا الوضع الضيق يعود القانون - قانون بلادهن التي ساوتهن سياسياً بالرجل - فيحرمهن حق التعويض العائلي، عوضاً من ان يمنحهن تعويضين
