كانت تعيش في دنيا شاسعة بالاماني ، متلألئة بأنوار الجاه ، مزوجة بأضواء المرح والحبور ، ولكنها لم تكن إلا فتاة تعيسة اغرقها القدر في حوض من الاقدار ...
لقد بدأت تخفي دموعها المنسابة وراء ستار ضاحك تفوح منه رائحة العار ، ولكن تلك الرائحة المؤذية لم تفح إلا بين جوانح نفسها المعذبة فتنمس اعصابها الرقيقة بأناملها النارية ، فتتألم منها ، وتنهار قواها فتقع هاوية على اريكة كانت بالقرب منها .
هي فتاة طائشة قاسية في احكامها على تقاليد المجتمع البالية ، لذا لم تعر أي اهتمام لمن يراها برفقة ( جميل ) في المنتزهات العامة والحفلات الراقصة ، لقد احبته بحكم الجوار ، واحبها رغبة في الحال انها فتاة جميلة ، رقيقة العشر ، فاتنة القلوب ، مياسة القوام ، سامية العواطف ، يعلو وجهها المشرق عينان نجلاوان بخضرة اوراق الاشجار يضفي عليها الحب بريقه العظيم !
عندما احبت ( جميل ) ظنت ان السعادة اصبحت ملك يمينها ، وقبضة في
راحة يدها ، تغدق حنينها على نفسه البائسة ، كلما شعرت باليأس يلقي اتراحه على كيانها ، واغلاله الصلبة على اعصابها المتعبة .

لقد كانت المسكينة تبني شعاع الامل من سحابات الخيال ، كي تغدو زوجة شرعية ( جميل ) ولو ثانية واحدة من حياتها المظلمة ، رغم انها تعلم ان قلب ( جميل ) ليس لها بفقرها ، بل هو موزع بين قلوب الفتيات اللاتي ذهبن ضحية مكره ، وفريسة غدرة ، ولكن ثمة فتاة غانية استطاعت بسلاحها الصائب ، واساليبها المغرية ، ان تحوز على قلب
جميل وتسليه المكر والغدر ، وتحمل سواهما براعم الحب الصادق ، تلك هي ( وطفه ) التي دخلت في شراع حبهما بشكل غريب ، استعصى على ( غادة ) ان تزيل اشباحه وتطفئ انبثاقه لحيز الوجود .
ان الغيرة الجياشة استوطنت ثنايا نفسها ولهبت غشاء قلبها ، حتى غدت فتاة نارية تتوقد اشتعالاً ثانية تلو الاخرى .
ولكن ... ولكن ماذا عساها ان تفعل ازاء غريمتها ( وطفه ) التي لوثت الصداقة وهدمت عناصرها هل تروي ( لجميل ) عن وطفه قصصاً غرامية من بنات افكارها ، لعله ينفر منها ، ويبتعد عنها ، ويبقى لها وحدها ؟ .
كلا لن تقترف عملاً اثيماً يعذب ضميرها ، ولن تقدم على شيء دنيء يدل على انابتها . لان نفس المرأة مرآة قلبها الناصع البياض ، الذي يضم بين جدرانه للبشر انبل المعاملات وأكرم النيات .
خيالات وافكار عذرية دارت في رأسها ، وتقاذفتها الامواج الهائجه حتى استقرت عيناها على سطور بطاقة الدعوة التي دعيت اليها لزفاف حبيبها ( جميل ) من غريمتها ( وطفه ) .
مسكينة ( غادة ) لقد حطمت سهام قلبها ، وتركت النار تلتهم عش املها . وتنبهت حواسها فجأة على مخالب الغيرة تنهش قلبها « وصوت الواقع يصمها بالذل والهوان » .
ولم تستطع المسكينة حيال كل هذه الاضطرابات والعواصف المتلاطمة في فكرها ، إلا ان تلبي دعوة غريمتها على

