إن شفاء هذا الشاب، يمنح الأمل لكثير من يقاسون الأمراض النفسية!
كان سليم في أقصى درجة من حالات هذا المرض، يحس بأن أسلاكاً كهربائية ترسل إلى جسده، هذا على حد تعبيره، وكل من يحيط به مسؤول عن ذلك، وموضوع انتقامه؛ وأرسل إلى مستشفى الأمراض العقلية، حيث يعامل كل فرد على حده، ولا شك بأنه كان خطراً على من حوله، وأول مرة تعرفت إليه يوم خرج المريض للتفرج على الألعاب الرياضية! كنت دائماً أتحدث إليه لأقنعه بوجوب التمرن واللعب وسألته إذا كان يحب اللعب بكرة القدم، فاتقدت عيناه بالغضب وذكرني بأن لديه أموراً أهم بكثير، فهو يريد أن يحشد القوى لمقاومة الأعداء الذين أرسلوا تلك الأسلاك إلى أضلعه، وذكرني ثانية بعدد الضحايا الذين خلّفهم في ساحة القتال وهو مستعد ليجعلني الضحية التالية.
في مثل هذه الحالات كنت أتركه وأنسل صامتاً ولكنه كان دائماً يلاحظ اللعب ويتمتع به.
في يوم كانت فرقتان تتباريان في الملعب، على مرأى منه، ولدهشتي تقدم وسألني بحماس: «ألا تفكر بأن فرقتنا ستخسر هذه المرة؟» فأجبت: «أجل وماذا ستفعل أنت؟» وقال مؤكداً: «أننا نخسر لأن ذلك الرجل عاجز عن اللعب» وهنا اغتنمت الفرصة وسألته: «أتقدر أن تلعب أحسن!» فهز رأسه وقال: «سوف يرى كيف يلعب الأبطال». وتقدمت بدوري لأسأل
الشاب أن يتخلى عن مكانه للاعب الجديد فوافق؛ ومرّت الأيام، وسليم يلعب في كل يوم مع فرقته، ولا ينسى أن يعطي رأيه، إذا كان متفرجاً، وكانت الفرقة المقابلة بمثابة عدو مهاجم، فيهددها بالإضرار الجسدية إذا خسر، ولكن لا شك بأن اللعب كان يحمله على التحسن يوماً عن يوم؛ وفي السنة التالية ربح الكأس بين الفرقتين، فرفع ذلك من معنوياته وبعث كثيراً من الاكتفاء في نفسه، فأصبح هادئاً، لا يحدث إلا عن الرياضة، ويقرأ الزاوية الرياضية في الصحف دون أن ينسى منها حرفاً.
مضت سنتان، فأصبح شخصية رياضية مرموقة بين زملائه في المصح، وإذا أرادت الفرقة أن تنازل فريقاً من الخارج كان سليم في المقدمة، وكان الطبيب يخاف أن يسمح له لأنه متمرد
غير أن متعته في قذف الكرة أصبحت تفوق اشتياقه لقذف الأعداء، وكان إذا ترك المصح، لا يدع للتأمل ريبة بصحة عقله. أنه لاعب ممتاز، يجلس إلى المائدة ويتحدث مع الفرقة بحماس، وهكذا احتلت الثقة والاستقرار موضع الخوف والألم، وقدر أن يبرهن علاوة على ربحه في اللعب، على التغلب على الذين أضاعوا ثقتهم به، واعتقدوا بأنه لن يكون طبيعياً، وطالب بإجراء فحص عام إذ يود الرجوع إلى الحياة المألوفة، فهو يحس بأنه قطع شوطاً في التحسن سيما وقد فارقته تلك الأفكار المقلقة، وفعلاً أقر الأطباء شفاءه ووافقوا على إطلاقه وهكذا ترك ليعمل في مزرعة اشتراها وينوي قضاء بقية حياته فيها، غير أنه لا يزال يمارس اللعب، ولم يدر قط الفكرة الجديدة لشفائه ولكن مهما كانت منفعة الأدواء والعقاقير فهي لن تعطي نتيجة إيجابية توجدها الرياضة لأن الشفاء هنا يقوم على أساس إخراج المريض من جو الأوهام إلى الحياة العملية حيث يحس بأنه سعيد، ويعمل باكتفاء واستقرار.


