اني احبكم ايها الصغار، وافضلكم على امثالكم قبل ثلاثين عاماً لانكم تفوقونهم نشاطاً وعملاً، كما انكم اقوى واسرع واجمل منهم حين كانوا بمثل سنكم، ولكن واحداً من هذه الصفات لن يجنبكم متاعب المراهقة. ولهذا لا يتمنى الكبار العود الى هذه الفترة من الحياة لو خيّروا في الرجوع الى الوراء، ولأنني احبكم أود ان اسهل لكم بعض الصعاب التي اجتزناها حين كنا بمثل اعماركم.
في نفوسكم قوى كامنة تصارع للخروج، وتجبركم في اثرها احياناً الى احرج المواقف؛ انكم ولا شك اختبرتم فترة التمرّد حين يرى المراهق نفسه على عتبة عالم البلوغ اعزل من السلاح، كالمال والحرية المطلقة والارادة الراسخة فينكمش على نفسه ويلوم والديه.
أجل، هذه ليست غلطة الوالدين، اذا لم يقفز ابن الخامسة عشرة الى سن البلوغ دفعة واحدة، انما بالامكان ان تخففوا وطأة القساوة اثناء هذه المدة، بأن تعيشوا سنكم، اذن لا تضعوا نصب اعينكم امثال الاولاد المتمردين الذين يفاخرون بأنهم كسروا القيود وحطموا الحواجز التي تحرّم عليهم التمتع بحرية مضرة. ضعوا نصب اعينكم ان الذي يستغرق وقتاً اطول للنضوج يكون نضجه امتن. مثلنا في ذلك المقابلة بين الانسان والحيوان، فالفترة التي يأخذها الانسان للبلوغ قد تكون عمر الحيوان كامله، ولهذا هو ارفع وأسمى المخلوقات.
قد يعتقد احدكم بأن والديه يمكنانه عن التمتع بالحرية المطلقة والسعادة، بينما ينحصر كل همهم في اسعادكم وجعلكم اشخاصاً اقوياء يجابهون الصعاب بعزيمة ثابتة وبسمة مشرقة.
اعرف كثيراً من الرفاق في هذه المرحلة من حياتهم، ولنأخذ مثلنا سلمى مع اخيها جميل، انهما يقفان في عداء مستديم لوالديهما، فيحقدان عليهما كأنهما يشكلان جبهة دفاع ضد الوالدين اللذين لا يودان الا هناءهما؛ وبهذا العناد في وضعهما يهدمان شخصيتهما بدل من بنائها؛ جميل يطلب كثيراً من الحقوق ويثور اذا لم يحصل على احدها، فانه يريد ان يسلمه والده السيارة ساعة يشاء، وبالطبع سيرفض الوالد، والابن يعلم ان هذا الرفض لخيره، لكنه يحرج الموقف ويزيده بلبلة.
في مثل هذه الحال عليك ان تقنع والديك عملياً، بأنك اصبحت قادراً على استلام آلة خطرة القياد كالسيارة؛ ينحصر تقدم المدنية في ترس الفكر والروح، وفي عصرنا لا يقيم العالم وزناً للدين، بينما نحن في اشد الحاجة لاستماع المواعظ المهذبة للروح؛ لتدعم ايماننا وثقتنا بانفسنا.
هناك فرصة اخرى لا تعود اذا اضعتها ايها الناشيء، وهي فترة التعلم، فاغترف من بحار العلم كل ما يقدر ان يستوعبه فكرك، لانه لا يمكنك ان تجد مكاناً في هذا العالم، اذا لم تتعلم،
فعوّد نفسك الثبات في الدرس والتنقيب، وبهذا لا انكر عليك أوقات المرح والمتعة، واحدى المتع التي لا يجوز إضاعتها، قراءة الكتب الجيدة، وحب المطالعة لا يولد مع الانسان بل يكتسب؛ ثم تجنب المطالعة المبتذلة التي تسمم الفكر، وتريك الحياة على غير حقيقتها؛ فليس هنالك متعة تعادل هذه التي تقدمها لنا الادمغة الكبيرة.
قال لي صديق يوماً: لو صرف الانسان ربع ساعة في المطالعة يومياً، لقرأ مليون كلمة في السنة او سبعة عشر كتاباً، ولا شيء يزيد لذة الحياة اكثر من مرافقة موكبها.
سوف يحصل اخطاء في عملك، ولكن اجتهد ان تصلحها بنفسك، وانس هذا الحقد تجاه والديك مقدراً محبتهما وعطفهما وما بذلا لأجلك من جهد وعناية، واؤكد بان العالم امامك صدفة مغلقة لا يمكن فتحها دون آلات صالحة وهي: العلم، والمحبة والاحترام!


