جلس رجل في منتصف عمره ، امامي ، يحدّق في اللاشيء ، وبالرغم من انه على موعد معي ، لم ينس بكلمة بعد ان جلس على الكرسي ، قرب مكتبي ؛ ومرّت دقيقة صمت تلوّثها بأسئلتي ، وكأنه لم يشعر بحضوري مطلقاً ، فلم يلتفت اليّ أو يغيّر وجهة نظره العالق بأرض الغرفة ، وكل ما يدل على الحياة في وجهه حركة شفتيه يربطها من فترة لأخرى ورفيف اهدابه .
سألته عما يزعجه ، فلم يرد الجواب ، وذكرته بأنه على موعد معي ، ووقتي ثمين ، فالتفت اليّ وتمكنت من ملاحظة وجهه الشاحب وعينيه الغائرتين في حدقتيهما . ولاحظت الارتباك البادي على وجهه وكان اول ما فاه به : « اني لا اصلح لشيء ، أرجوك ان تعطيني حبة مسكن او أي علاج يخرجني من مصيبتي . فكرت بالانتحار — الوسيلة الوحيدة لخلاصي — ولكن هنا توقفت فالدين ينهي عن ذلك » .
وقبل هذا ، كنت قد واجهت الموقف نفسه مع فتاة بائسة ، كانت في الثلاثين من العمر ، عازبة تعيش في وحدة دائمة ، ووصلت الى حدّ الانتحار ، فاعاقها خوفها من ان تفشل في
هذه العملية ؛ وكانت شكواها الكبيرة الوحدة : « لم يطلبني اي رجل ، مع اني احس كفاءتي لأعباء الامومة والزواج » . هذا ما قالت : « ماذا جرى لي ؟ ماذا صنعت ؟ » وراحت تجهش بالبكاء ...
في نفس كل منا شيء صالح ، قد لا يلحظه الاخرون لاننا نحجبه عن انظارهم ، وعلى اساس هذه النظرية عاملت هذين الشخصين ، فوجهتهم لتفهم نواحي الصلاح في نفسيهما ، لكي يستعملاه سلاحاً ضد النقص المتغلب عليهما .
اذا فكرنا برهة ، نرى كثيرين ينقصهم العطف والرقة والمقدرة على تفهم ومسامحة الآخرين ، كما لا يقدرون على مبادلة الحب ، والتسلح بالشجاعة والامل والثقة بالنفس والارادة والطموح ثم الامانة والصراحة والصداقة وحب المساعدة ، وهذه اللائحة من الاسماء هي التي تضع الانسان حيث هو من مرتبة المخلوقات الحية . ولكن هل تقدّر هذه الهبات ؟ وان قدرناها فهل نستعملها ؟
يحدث كثيراً ان نفهم الشرّ في انفسنا ونهمل الخير ، وهذه تبدأ في سن الطفولة ، حين نقول للطفل : « لا تصنع هذا او ذاك . ماذا يقول الناس عنك ؟ انتظر حتى يأتي والدك واخبره عن اعمالك ، سوف لا يحبك احد ، وامك تخجل ان تدعوك ابنها . » وهكذا نرى اننا زرعنا في نفس هذه النبتة

