هكذا كانت فلورنس نيتنجيل تنمو وتكبر ، فتكبر معها قوية ، رغبتها الملحة في الاعتناء بالمرضى والمتألمين .
وحينئذ شعرت ان حياة الراحة التي تحياها لن تتيح لها الحظ للقيام بالعمل الذي تؤمن انها كفء له وهو مساعدة من لا يقدرون على مساعدة انفسهم .
في ذاك الوقت ، لم يكن التمريض مهنة شريفة كما هي اليوم . كان الزعم السائد انه لا يليق بسيدة شريفة كريمة المحتد . لذلك كان على فلورنس ان تتدرع بشجاعة عظيمة لتتمكن من ترك بيتها واعطاء حياتها لهذه الخدمة .
وهكذا لم يرض اهلها بالامر الا بعد تفكير طويل دقيق . فسافرت الى جرمانيا حيث درست فن التمريض ، ثم رجعت الى انكلترا لتعليم الآخرين .
ولكن عملها الرئيسي ابتدأ في حرب القرم عام ١٨٥٤ فان المراسل الحربي لجريدة لندن تايمس London Times اعلن عن الاحوال المخيفة في المستشفيات . ونهضت الامة البريطانية بأجمعها تطلب معاملة احسن لجنودها الجرحى . وقد صور المراسل مشاهد الموت والالم بينهم . وتساءل : الا يوجد فيما بيننا نساء يكرسن ذواتهن ، الا توجد واحدة من بنات انكلترا قادرة على ان تذهب بعيداً لتساعد المريض والمتألم في مستشفيات اسكوداري ؟
فلبّت فلورنس نيتنجيل هذا النداء مع اربعين رفيقة ذهبن الى الشرق ، وحملت هي اعباء المستشفيات العسكرية
كلها . وكانت ادارتها الحكيمة وجهودها لتحسين الوسائل الصحية سببا في اذاعة اسمها في الارض قاطبة . فقد نجّت بالتمريض البارع والسهر الدائم عدداً من الرجال الذين قال الاطباء عن جراحهم انها دون الشفاء . وتدنت نسبة الوفيات بينهم من ٤٢٪ الى ٢٪ ببضعة اشهر .
كان المرضى يسمونها : « السيدة ذات الضوء » . فيترقبونها وهي تمرّ باطمئنان وهدوء عند منتصف الليل حاملة مصباحاً صغيراً تستره باعتناء كيلا توقظ النائمين . ولكنها تقف تجاه المستيقظين مع بسمة لطيفة وكلمة مشجعة . ولقد رأى بعضهم الجنود وهم يقبلون ظلها حينما يقع على الحائط اعترافاً بالجميل وشكراً لاخلاصها لهم .
وكان من مشاريعها العظيمة تنظيم
الصليب الاحمر . ابتدئ به سنة ١٨٦٣ في جنيف - سويسرا . وهو الان في كل معركة وفي كل بلد يُشير الى اخلاصها وهو يتخذ النظام بعيداً عن كل تشويش .
ان فلورنس لم تعمل للشهرة فقد ارادت الرجوع الى انكلترا بعد انتهاء الحرب وبلغها ان الحكومة البريطانية امرت بوضع بارجة حربية تحت تصرفها للعودة الى الوطن وان الشعب البريطاني يستعد لاستقبالها استقبالاً عظيماً . فسافرت على باخرة فرنسية ونزلت في فرنسا ومنها الى انكلترا . ولم يذع خبر رجوعها الا بعد مدة . فاخذت تعمل على تحقيق امنية حياتها - وهي التعليم العالي للممرضات - فقررت جمع اعتماد بمبلغ ٢٥٠٠٠٠ اكتتب له جميع الطبقات من الانكليز . وتبرع كل جندي براتب يومه ، حتى اجتمع المبلغ حالاً . فتأسست اول مدرسة عليا للتمريض الحديث عرفت بمنزل فلورنس نيتنجيل الحقت بمستشفى سنت توماس بلندن . وبقيت تديرها
