لا تذكر النهضة الأدبية النسائية في لبنان وسائر الأقطار العربية إلا ويذكر معها حتماً اسمان كبيران: مي زيادة وسلمى صائغ.
مقالات كثيرة كتبت عن صاحبة «النسمات» وتناولت أدبها وتفكيرها، إلا أن نقطة استفهام بارزة كانت ترتسم دواماً حول مصدر هذا النتاج، من هي سلمى صائغ المرأة التي أعطت هذا الأثر النفسي؟
وجاءت الأديبة المعروفة اميلي فارس ابراهيم أمينة سر جمعية أهل القلم تدرس هذه الناحية من على منبر الندوة اللبنانية فإذا بها ترسم لنا صورة حية، ناطقة ببلاغة، عن سلمى في حياتها وأدبها وإذ بنا نرى أمامنا عينيها فيها من صحو السماء على مجرنا تطلان واحتين، من حدقتين اعتلنا سماء تتيه عليها أخيلة من أغوار نفس، غاصت إلى أعماق الأعماق من هذا الكائن المعقد ذاته والسادر في مراميه.
وتجولان في اللامدى من مجالات الدنيا، متأملتين، متسائلتين، حائرتين بما يختلج وبما يعتلج في العالم الأكبر المنطوي في الجرم الصغير، وبما تريانه من واقع وعرف، محلقتين، وأعني حنونتين.
وإذا بنا نلمس شعرها اللين الخصب الموج ونناجيها هي بعينها أنناجي تلك الإطلالة «العذبة تنساب رقتها على كل ذلك الكائن اللطيف، لتغدو أنوثة غامرة»
ولا عجب أن توفق اميلي فارس ابراهيم في محاضرتها «أنوثة غامرة في إنسانية عامرة» فتثير إعجاب النخبة الرفيعة التي استمعت إليها وعناصر التوفيق قد توافرت لها جميعاً مادة غزيرة وهل أغزر من مادة فقيدتنا المثالية التي شحذت ريشتها على حنايا الفؤاد وكاتبة لبقة ذواقة تعيش ما تخط. ومنبر حر يرفع كل من وقف عليه.
وإني لا أزال أسمع نبرة المحاضرة العذبة وكأنها امتزجت بنبرة الفقيدة العذبة تقول: كانت لكل قلب حبيبة، ولكل أب قريبة، فهي حب دافق لا ينضب تضفي على جوها نعمى معاني نداء جاذب كتوم... ولعلها لم تكن تدري أن نافذتي نفسها، ناظريها، كانتا تفتحان للرائي مطلات على أناقة الروح، وغنجها وسحرها، في الحر الطليق البريء من ملاعبها. كانت جمالاً كلها، ولكم جنى الجمال على الحسان.
وكانت حباً كلها، ولطالما أسيء فهم الحب في إنسان...
أجل لقد كانت سلمى حباً كلها. ويا لنعم هذا الكل.
جميل جبر