كان نزقاً ينطّ كالدوري ، يذهب من رائف الى محمد ، ويقفز من محمد الى سعيد ، يربّت على كتف كل منهم ، ويبتسم في وجهه كالأبله ، ثم يستدير حتى يلامس السل وجهه مخاطبه ويقول : « شوف ! » الا ان زملاءه لم يقابلوه دائماً بما كان يرجو من تهليل ، بل لقد قابله بعضهم بما لم يكن ينتظر ابداً ، اذ كانوا يلقمون قفاه ركلة يهتز لها ظهره ويئن لها السل الجديد كأنما اصابه منها مس .
الا ان فرحته بالسل ما عتمت ان تلاشت بتلاشي الزمن ، ليحل محلها واقع لئيم يجثم كالطود على صدره : لقد هرب من تسوّل ليقع في تسوّل ، فلا يكاد ينجو منه الا ليقع اخيراً في تسوّل جديد خبيث ! لقد حاول اول الامر ان يجعل الحياة تنقاد اليه فكان يجدح الناس الحاملين اغراضهم دون ان يدنو منهم ، وكأن عينيه تقولان لهم : « اما انكم تعبون ، فهذا امر بديهي ... ولكن لا تنتظروا مني ان اسارع اليكم كأني شحاذ . انا هنا ، اذا شئتم ... على ان تقتربوا انتم مني ! وكان رفقاؤه لا ينون ، ساعين ، صارخين ، مازحين ، شاتمين ، راكضين وراء هذا ، معترضين سبيل ذاك ، مربّتين على ذراع احدهم عله ينتبه لهم ليحمّلهم ما يحمل . وكانوا ، لفرط الالحاح ، يحظون احياناً بما يكافي ماء الوجه المبذول ، فاذا بهم يحملون بعشرة قروش ، او بخمسة عشر قرشاً ، او بأكثر ، وحمدون راسٍ كالطود على المدخل الغربي لسوق الخضرة ، حيث تلتقي السوق بشارع المعرض . انها نقطته ، وهو لن يحيد عنها .
ولكن حمدون ما لبث ان ادرك ان هذا الموقف يقفه قمين بان يدفع به الى البوار التام . فامه ، يا حسرتها ، تبيع قلبها ورئتيها بالقروش ، تكنس هنا ، وتمسح هناك ، وتغسل هناك ،
وهي ، في كوخها ، باتت تسقي الارض دما يعتصره السعال من صدرها . وقد افسمت برحمة والده ان لا تريه قرشاً بعد اليوم : انه في الخامسة عشرة ، أفما آن له ان يأكل من كد يمينه ؟ لذلك لم يجد حمدون بدأ من الانصياع : الناس امامه يؤثرون الاحسان على احقاق العدل ، فيسارعون الى الذليل ، الى الذي يئن ، معرضين عن ذي الشمم الذي ينتظر من الحياة حقاً لا احساناً . وما دام هذا شأن البشر ، وما دام هذا شأن رفقائه ، فلماذا يلزم خطته ، وكأنه حيوان قفر طوّحت به الاقدار ، فلا ماء ، ولا كلاء ، ولا رفيق ؟ فوالله لينقّن ، ما طال النهار ، وليقرعن آذان البشر بالنغم الذليل ، وليزحفن امامهم ، لان ذلك كفيل بان يحرك قلوب من آمنوا بالذل والانين والزحف . وراح حمدون ينق . راح حمدون
يطارد الناس نهماً ، شرهاً ، بود لو يحملهم مع اغراضهم ويطرحهم في سله مقابل قروش ... ان رفقاءه كانوا يدفعونه حسداً من سله اللماع ، فاذا بهم يستأثرون بالرزقة المرة بعد المرة . وكان يوم اقتربت من حمدون عجوز تحمله خضرتها ، بيد ان احد زملائه ، صابراً ، دفعه بعنف ، وانتزع الاغراض من يد العجوز قائلاً : « انا دائماً احمل لك ياست . هذا « غلوجي » » .
ولم يدر حمدون ما يفعل . أيهجم على غريمه ويعجنه عجناً ، ام يترك له رزقته حلالاً مباركة ؟ اما ان يهجم عليه فهذا امر يدعو الى التفكير الجدي ، لان لصابر يدين كأنها مذراتان ، لو اطبقتا على حمدون لقذفتا باضلاعه الى جوف سله ! ولكنه لا يمكن ان يصبر على الاهانة . ان بطنه ليقول له ذلك : فمنذ مدة ، وطعام حمدون لا يعدو كمية من

