اعتادت عارضة الأزياء «رندة» صحبة الفنان الناشئ «راغب» وهي عائدة من صالة عملها على شاطئ البحر المتوسط إلى غرفتها الوضيعة التي تسكنها مع أمها المقعدة في الحي الباقي من بيروت القديمة - طريق الأمير منذر. وفي هذه النزهة الليلية، رددتها عشايا الربيع والصيف، منذ أربعة أو خمسة أشهر، سارت مشاعر الفنان من تجاوب قلبي متبادل إلى وله مشتعل؛ كان أول ما صادفها في عوداتها المتأخرة وهو يسلك الطريق التي تسلكها. ثم أخذ يغشى الصالة ملتزماً مائدة منفردة، مزوياً يرقبها تطل بين الفينة والأخرى تميس بقدها المياد بين الموائد.
كان يلحظها كل ليلة من وراء قدح الشراب، يحتسي منه طيلة السهرة، وبيده ريشة يجرها كيفما اتفق ومادت رندة. وبطبيعة الحال ارتسمت جميع صوره بنموذج واحد، هو حبيبته «العارضة» الحسناء بشعرها الكستنائي الكث، وعينيها الناعستين وأهدابها المخملية ترف بتيه فوق أنف أقنى وثغر ممتلئ وذقن دقيق. إلى عنق ولفتة ثم خصر شدته اليوم عصابة مخططة، ينسدل منها جلباب ذهبي فضفاض يرمز إلى ما لبسنه النسوة في هذه البقعة الجميلة من الشرق القديم.
إنما لم تدر الحوادث حسب ما ألفه راغب ولم تيسر له الأمور اصطحاب
رندة إلى غرفتها الوضيعة ككل ليلة. فلقد تصدى لها شاب مترف كان قد أشم راغب إعجابه بها منذ حين؛ إنما لم تظهر منه بينة سافرة كالتي فاجأه بها الليلة وهي تخطر بالسابري الأصغر بين الموائد؛ حتى إذا ما انتهت إلى طاولته قفز من كرسيه وحياها بتقبيل يدها، وتودد إليها لتشاركه الطاولة ولو قليلاً. وتوقفت الريشة عن الجريان، وصعد الدم إلى وجنة الفنان؛ إنما لزم الهدوء والكتمان وهو يلحظ من زاويته القصوى ارتباك رندة وكله غنج ودلال، بعد أن أزاح فارسها الجديد لها الكرسي وأجلسها إلى جانبه.
ولم يشعر راغب إلا وكان اعتراه دوار عارم، وسيل من العرق البارد. ورغم ذهنه الشارد تمكن من البقاء على برودته وسلبية من لا حول له في الذود عن حبه الجارف الذي أخذ يتقهقر على دقات الموسيقى الراقصة وعزيمة الفتى الماجن يخاصر رندة وهو يشبع عينيها الخضراوين رنواً وإغراء.
وحضره سؤال ملح. «لماذا لم أجاهر مجي لرندة من قبل؟» استشعر حياله بسخط عنيف على قصر باعه كاد ينفجر منه في هذه الأزمة. لأن شيئاً واحداً كان يفرض حقيقة أمره عليه هو أنه فقير معدم مثل رندة، وكلاهما لا يصلحان، في عرف المادة، أن يكونا الواحد للآخر، لذلك آثر التقديس على التدنيس ريثما يبسم له الحظ.
ولم يخطر له أن فتاته من جبلة النساء، ولوع بالإعجاب شغوف بالإطراء. بل استحوذت عليه فكرة عمياء، مردها الكبرياء، يتداوى بها، وبها وحدها، موقفه الزري؛ سواء كان بها الخلاص


