
كان الأطباء متفقين على ذلك، فراحوا يطمئنوني بعبارات اللامبالاة: معك القرحة، لا شيء يوجب الخوف؛ اتبع وصيتنا فقط، تدارَ في تناول طعامك ولا ضير عليك.
كنت من الذين يضطربون لأصغر المفاجآت فكيف بي الآن، وقد أخبرت بذلك؟... ذهبت توّاً إلى المنزل، ومكثت يومين في فراشي، أحدّق في سقف الغرفة، ثم رحت أنظم علاقاتي وأرتب الحسابات والقوائم، وأحسست بوخزة الألم، فجرعت الدواء، واسترحت، كيلا يتأثر أصدقائي حين يروني ضعيفاً هكذا.
قرأت كثيراً عن الحياة مع هذا الداء، وبحثت ما تناولته من المطالعات مع كل من أصغى إليّ، ومضى الوقت بكل ارتياح، ومرة نهضت لتناول حبة الدواء،
وما كدت أخطو من سريري، حتى غشي عالمي ضباب، ولم أعد أعي ما جرى، حتى فتحت عينيّ لأجد نفسي في إحدى غرف المستشفى، ورأسي متورّم من صدمة حصلت لي أثناء وقوعي في أرض الغرفة، وهكذا وضعني الأطباء على لائحة الإعدام، فمنعوا الزائرين عني وبقي رسولي الوحيد إلى العالم الخارجي زوجتي الأمينة، التي كانت لا تنفك تبسم، وتخفي ما تتكبد من ألم نفسي. كانت تحضر لي دائماً كتباً للمطالعة، بينها كتاب أخذت منه هذه المقطوعة: «صادق من لا يمكنك الظفر به». ولكن أيجوز ذلك مع القرحة؟ لقد ضعف الدم في دماغي بعد
النزيف، وذلك لا يدعو إلى الاطمئنان، غير أنه يستحيل أن انهزم بسيط كهذا. فلأستعمل السياسة مع هذا الخصم، فأصادقه، ولكن ذلك لم يكن على الطريقة الطبية، ولا تنتظري مني أن أشرحه لك هكذا، مع أني اختبرت حبوب الدواء، وجرعاته.
إن تناول دواء دون توصية الطبيب فكرة خاطئة، ولكن أنا فعلت ذلك، ولكن دوائي لم يكن من الصيدلية، وسأقص عليك اختباري، ربما تصدقين أو تطرحين كلامي في سلة المهملات. لا أدخن مطلقاً، فليس هذا سبب مرضي ولا الشرب. عمري خمسون عاماً، لم أجهد جسمي مطلقاً فعمّا اتخلى إذاً؟..
وجلست أكتب لائحة انتقدتها مرتين، ولما انتهيت كانت النتيجة أنني مضطرب فما هو همي؟ أسرتي مكتفية، وظيفتي حسنة، وبيتي جميل، وحياتي مؤمنة، وفجأة عرفت السبب، أن همي يشمل الماضي والحاضر والمستقبل، فلا يترك شاردة، كنت أهتم للهمّ نفسه، وسمعت صوتاً داخلياً يقول: «صادق الهمّ أيضاً».
نمت طويلاً، ولما نهضت كان أول عمل قمت به، كتابة قائمة بهذه الهموم ومسبباتها، وما كدت أنتهي حتى أحسست النار تطفر من جسدي، والتعب ينهك قوتي، فتمنيت لو أموت، لأرتاح، إذ كنت أجتاز فترة قاسية، وأخذت القائمة فقسمتها إلى قسمين، فئة يمكن التغلب عليها والأخرى صعبة القياد،