تعال يا أخي العربي ، تعال الى بيت المقدس ، الى البلد الذي قطع عمر الصحاري من اجله . تعال وانظر بعينيك ، كيف يعيش اخوانك العرب اهل القدس ، وكيف يصمدون امام نيران العدو واعتداءاته الوحشية ، بإيمان وشجاعة ..
ها قد وصلنا ، هذه هي القدس ، وهذا هو حيّ الشيخ جرّاح . وهناك ؛ أرأيت ذلك البناء القديم ؟ في حجرة حقيرة ، من حجراته المتصدّعة تعيش ام عامر .
قد تتساءل ، ومن هي ام عامر ؟ هي ام عامر فقط . هكذا تعرّف هي نفسها ، وهكذا يعرفها أهل حيّ الشيخ جرّاح ، وهكذا عرفها اهل يافا .
★
في تلك الغرفة الحقيرة ، جلست ام عامر ، وهي امرأة لم تبلغ الاربعين من عمرها ، ولكن الآلام هدّمتها ، فبدت وكأنها عجوز في السبعين . لم يكن في تلك الغرفة شيء من الاثاث ، الا بساطاً حقيراً وفراشاً مهلهلاً ، نام عليه شاب في مستهل ربيع حياته ، يصارع الحمّى . وبالقرب من الفراش ، جلست ام عامر ، وهي تمسح بيديها الحانيتين العرق المتصبّب عن جبين وحيدها المحموم .
فتح النائم عينيه ، وعلى ضوء المصباح الباهت ، رأى وجه امه ، فابتسمت له مشجعة ، وما ارقّ ابتسامتها ، فعاد الفتى مستسلماً لسكرة الحمى . كانت ام عامر تبتسم دائماً . كانت تبتسم للجارة مصبّحة ، وللضيف مرحّبة ، وللطفل مداعبة ، وللمنكوب والمريض مؤاسية . ولكن ، لا شك ان اعذب ابتساماتها ، كانت تلك التي تمنحها لوحيدها . كانت وهي تبتسم له ، يرتسم على محياها الفخر والاعجاب ، وينبعث من عينيها نور الايمان ، وحنان الامومة . كانت عواطفها واحساساتها
تتبلور في تلك الابتسامة . وكم نام عامر ، وقد أغنته تلك الابتسامة عن العشاء الساخن في ليالي كانون الباردة .
★
طافت برأسها الذكريات ، فتذكرت ذلك اليوم المشؤوم الذي تركت فيه يافا الحبيبة ، ومعها ولدها عامر الذي لم يكن قد بلغ العاشرة من عمره . اما زوجها ، فقد رفض ان يغادر الارض التي حبا عليها طفلاً ، وترعرع فيها صبياً ، ثم رواها بعرق جبينه .
تذكرت ام عامر يوم اتى ابو عامر ، ومعه بندقيتان ، وقال لها ، خذي هذه البندقية يا ام عامر ، وسلميها لعامر ، عندما يشتد ساعده ، وقولي له : « ان والدك مات شهيداً » .
وحمل ابو عامر البندقية الثانية ، وخرج الى البستان متربصاً للعدو . بينما خرجت ام عامر مع وحيدها من يافا الى الابد . وفي اليوم الثالث من وصولها الى القدس ، تسلمت نبأ استشهاد زوجها بعد ان قتل خمسة من اليهود ، فرفعت رأسها الى السماء كعادتها وقالت : « يا رب خلص الوطن ، فغذاه المهج والارواح » .
وتنهدت ام عامر لدى ذكرى الوطن الجريح ، ثم التفتت الى وحيدها النائم . فتمزق قلبها وهي تسمع اناته . منذ اسبوع فقط ، باعت الكرسي الوحيد الذي كانت تملكه لتشتري لولدها طعاماً ، فماذا تبيع الان . تلفتت في ارجاء الغرفة تتأملها ، انبيع البساط ؟ انه رث عتيق ؛ ومن يشتريه ؟ وفجأة سرت في جسدها قشعريرة اذ وقعت عيناها على اثمن شيء في الوجود ، على بندقية معلقة على الحائط . انبيعها ؟ ؟ . لا ، لا ، لا ، انها اذ تبيعها انما تبيع ذكرى الشهيد الغالي ، وهو الذي اوصاها بان تسلمها لعامر عندما يكبر . ولكن عامراً يموت ، ولا ينقذه من الموت الا ثمن هذه البندقية .